مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / الزمن الجميل… بين جيلٍ وجيل👨‍🌾

الزمن الجميل… بين جيلٍ وجيل👨‍🌾

 تمهيد: كل جيل مقتنع أنه عاش أجمل أيام الدنيا. 

كلما اجتمعنا نحن أبناء الستينيات الميلادية بأبنائنا، أو جلسنا مع شباب هذا الجيل، نجد أنفسنا نسافر بهم إلى الماضي، ونحاول أن نرسم لهم صورة الأيام التي عشناها. نقول لهم، بكل شغف وحنين:

كان العالم مختلفًا… أكثر خضرة، وأكثر بهاءً، وأكثر بساطة. كان الهواء أنقى، وشروق الشمس أجمل، والليل إذا أقبل حمل معه سكينة لا يعكرها ضجيج ولا أضواء.

كانت بيوتنا صغيرة في مساحتها، لكنها كبيرة في دفئها. أسوارها قصيرة، وأبوابها مفتوحة، والجيران يعرف بعضهم بعضًا، حتى إنك إذا خرجت من منزلك، عرف الحي كله وجهتك قبل أن تعود.

كانت المدينة أقل ازدحامًا، والسيارات قليلة، حتى إنك تعرف أصحابها ومن يقودها. وكان دكان واحد في الحي يكفي حاجات السكان جميعًا، ومخبز صغير لا يتجاوز طابور زبائنه أصابع اليدين.

وكان حلاق الحي واحدًا يحلق رؤوس أطفال الحي جميعًا، ولا يعرف من القصات إلا “نمرة اثنين”، وربما “على الصفر” إذا استدعى الأمر، فلا موضات، ولا أسماء غريبة للحلاقة، ولا صور يحملها الأطفال ليقلدوا أصحابها.

كنا نستمع إلى كلام والدينا دون جدال، ونحسب ألف حساب لجارنا، بل ولجار الجار، لأنه يعرف والدنا، وربما سبقنا بالخبر إلى البيت إن أخطأنا. وكان احترام الكبير خُلُقًا فطريًا، لا يحتاج إلى لائحة ولا دورة تدريبية.

نمشي إلى المدرسة مسافات طويلة في برد الصباح، ثم نعود تحت شمس الظهيرة الحارة، نحمل كتبنا بأيدينا أو في حقائب بسيطة، ولم يكن أحد يشتكي من طول الطريق، لأن الطريق نفسه كان جزءًا من حكايات الطفولة.

وكان موظفو الدولة يركبون الحافلات المخصصة لكل وزارة؛ فهذا باص المواصلات، وذاك باص الزراعة، وآخر للتجارة وغيرها، حتى أصبحت تلك الحافلات علامة يعرفها أهل المدينة.

أما سيارات الأجرة، فكان يقودها شباب سعوديون يعرفون الشوارع والناس، ويعرفهم الناس بأسمائهم ووجوههم. وإذا لم تجد سيارة أجرة، وجدت باصات خط البلدة المساندة، تجوب المدينة ذهابًا وإيابًا، تحمل الموظف والطالب ورب الأسرة بين الأحياء بكل يسر.

كما كانت ورش السيارات، ومعظم أعمال الصيانة والحرف اليدوية، تعج بالشباب السعودي الذين اكتسبوا خبراتهم بالممارسة، فكانوا عنوانًا للاعتماد على النفس، وجزءًا أصيلًا من حركة الحياة اليومية. ولم تكن المهنة تُقاس بمكانتها الاجتماعية، بل بما تقدمه من خدمة، ولذلك كان صاحب الورشة، وسائق الأجرة، والحرفي، يحظون باحترام الناس وتقديرهم.

صحيح أن مضاربات الصغار لم تكن تغيب، وأن عتاولة الحي كانوا يصنعون بعض الفوضى أحيانًا، لكنها كانت تنتهي سريعًا، ثم يعود الجميع للعب في اليوم التالي وكأن شيئًا لم يكن.

نحكي كل ذلك ونحن نظن أننا نقدم لأبنائنا صورة الزمن الجميل…

فيستمعون إلينا باهتمام، ثم يبتسم أحدهم ويقول:

بل نحن الذين نعيش الزمن الأجمل.

لدينا وسائل راحة لم تحلموا بها، والعالم كله بين أيدينا. نتعلم، ونعمل، ونتواصل، ونقرأ، ونشاهد، ونحجز، ونسافر من خلال هواتف صغيرة نحملها في جيوبنا. التقنية اختصرت الوقت، وقربت المسافات، وجعلت المعرفة متاحة للجميع.

ثم يضيف آخر وهو يبتسم:

ولا تنسوا أنكم أنتم أيضًا تستمتعون بزمننا أكثر منا! تقضون ساعاتكم بين آلاف القنوات التلفزيونية، وتتجولون في الواتساب، والسناب، والتيك توك، والفيسبوك، واليوتيوب، وتتحدثون مع أصدقاء فرقتكم عنهم عشرات السنين وكأنهم يجلسون معكم في المجلس نفسه.

ثم تأتي الضربة القاضية، وعلى سبيل الدعابة:

في زمنكم كان كثير من الناس إذا تقاعد شعر أن مهمته في الحياة انتهت، أما اليوم فأنتم أول من يستمتع بالتقاعد؛ تسافرون، وتلتقون بزملائكم، وتكتبون في المدونات، وتنشرون الصور والذكريات، وتديرون مجموعات الواتساب، حتى أصبح بعضكم أكثر انشغالًا بعد التقاعد مما كان عليه أثناء العمل!

وقفت قليلًا…

بحثت عن رد يقنعهم، فلم أجده.

وأدركت أن المشكلة ليست في الزمن، بل في الإنسان. فكل جيل يرى طفولته وشبابه أجمل مراحل حياته، فيظن أن الزمن كله كان أجمل. والحقيقة أن لكل عصر جماله، ولكل جيل ظروفه، ولكل زمن نعمه وتحدياته.

لقد كنا سعداء بما توفر لنا، وهم سعداء بما توفر لهم، وربما سيجلس أبناؤهم بعد أربعين عامًا يحدثون أحفادهم بالطريقة نفسها، ويقولون لهم:

أنتم لم تعيشوا زمننا الجميل…

وسيبتسم الأحفاد، ويردون عليهم بالعبارة نفسها التي نسمعها اليوم.

ومنذ ذلك اليوم… توقفت عن إقناع أحد بأن زمننا كان الأجمل، واقتنعت أن الزمن الجميل ليس تاريخًا على صفحات التقويم، بل شعور يسكن الإنسان في المرحلة التي عاشها بمحبة ورضا.

ولعل أجمل ما انتهيت إليه أن الزمن لا يشيخ… وإنما الذي يشيخ هو نحن، أما الحياة فتمضي، وكل جيل يكتب فيها فصله الجميل بطريقته الخاصة.

خاتمة:

كل جيل يملك ذكرياته، وكل زمن يكتب جماله بطريقته.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

أحلام لم تتحقق… لكنها قادتني إلى الرضا

في أيامٍ متفرقة من حياتي، كنت كثير التطلع إلى آفاقٍ جديدة، أحاول أن أطرق أبوابًا …