في بدايات التحاقي بشركة مصفاة بترومين شل 1983, كانت لي رحلة تدريبية إلى بريطانيا ضمن برنامج أعدّته شركة شل العالمية بعناية، جمع بين التدريب الأكاديمي والتطبيق العملي على رأس العمل. كان البرنامج يمرّ بي على محطات عدة في مدن مختلفة، ومن أكثر تلك المحطات رسوخاً في ذاكرتي تجربتي في مصفاة ستانلو Stanlow Refinery، الواقعة في بلدة ميناء إليسمير Ellesmere Port بمقاطعة تشيشاير، شمال غرب إنجلترا، على مقربة من مدينة ليفربول.
وصلت إلى تلك البلدة عبر رحلة قطار من لندن، امتدت قرابة ثلاث ساعات، مررت خلالها بعدة محطات بريطانية هادئة، لكل محطة ملامحها الخاصة، ولكل توقف شعور مختلف. كنت أحمل حقيبتي، وجدول تدريبي، وشيئاً من الفضول لما ينتظرني في إحدى أكبر المصافي هناك.
عند وصولي إلى المحطة، كانت في استقبالي سيارة خاصة تابعة لشركة خدمات متعاقدة مع المصفاة، تقودها سيدة بريطانية تولّت إيصالي إلى الفندق المخصص لإقامتي. وخلال الطريق أخبرتني أنها ستكون مسؤولة عن نقلي يومياً بين الفندق والمصفاة، ذهاباً وإياباً، تجنباً لتعقيدات التصاريح اللازمة للدخول إلى منشأة صناعية حساسة بهذا الحجم.
في اليوم التالي، بدأت المهمة من مكتب العلاقات العامة في المصفاة. كان المكتب بسيطاً ومحدوداً، لا يتجاوز مسؤول العلاقات العامة وسكرتيرته. شرح لي المسؤول طبيعة عمل الإدارة، فوجدتها مختلفة تماماً عما كنت أتوقعه من خلال تجربتنا في الجبيل؛ إذ كانت مهامهم تتركز على الجوانب القانونية والإجرائية ذات الصلة المباشرة بالمصفاة، لا على الاستقبالات والزيارات والمناسبات وتهاني الأعياد واستلام الصحف اليومية وطباعة التقاويم كما كان مألوفاً لدينا في بعض بيئات العمل.
بعد ذلك سلّمني مسؤول العلاقات العامة جدولاً دقيقاً بالتاريخ والوقت، يوضح تنقلي بين الإدارات المعنية، وقد جرى إبلاغها مسبقاً بزيارتي التدريبية.
كان الأسبوع الأول مخصصاً للعمل داخل المصفاة، وتحديداً في غرفة المراقبة العامة المحصنة، وفق نظام النوبات الليلية، من نحو التاسعة مساءً حتى السابعة صباحاً. كانت مهمتي أن أراقب وأتعلّم؛ أرى كيف تُسلّم النوبات أعمالها لبعضها، وكيف تُدار تفاصيل التشغيل، وكيف يتعامل العاملون مع أحداث اليوم داخل شبكة معقدة من الأنابيب والمرافق ووحدات التشغيل.
لم يكن دوري التدخل، بل المعايشة والفهم. كنت أتنقل معهم بين غرفة التحكم، وجولات المصفاة المجدولة، وقاعة الطعام، وغرفة التدخين المخصصة لهم. وفي تلك الغرفة تحديداً، لفتني أن جدرانها كانت مليئة بكتابات العاملين وتعليقاتهم، وكأنها سجل غير رسمي لذاكرة المشغلين، وقد قيل لي إن فرق الصيانة تمسح تلك الكتابات كل أسبوعين، لكنها تعود من جديد، وكأن المكان يحتاج دائماً إلى أن يترك العاملون عليه شيئاً من أثرهم.
في اليومين الأولين، بدأت ألتقط همسات متكررة بين العاملين. كانوا يتحدثون عن أمر قادم، عن إضراب محتمل للمطالبة بتحسين الرواتب والمزايا. كان الحديث يدور بهدوء أحياناً، وبقلق أحياناً أخرى؛ على منصة التشغيل، وفي غرفة التدخين، وحول طاولة الطعام. ومع نهاية الأسبوع، كان القرار قد اتخذ: سيبدأ العمال إضرابهم بناءً على توصية نقابتهم.
مع بداية الأسبوع التالي، كنت قد أنهيت فترة النوبات الليلية، وانتقلت إلى المبنى الإداري لمتابعة بقية البرنامج من مكتب العلاقات العامة. وفي صباح يوم الاثنين، أخبرتني السيدة التي تقودني من الفندق أن الإضراب قد بدأ خلال عطلة نهاية الأسبوع، وأن علينا الحذر عند الدخول من البوابة الرئيسية، فالعمال أصبحوا متمركزين حول مداخل المصفاة، يمنعون دخول العاملين والمديرين والمشرفين، بل حتى رئيس المصفاة.
اقتربنا من البوابة، وكان المشهد مختلفاً تماماً عما رأيته في الأسبوع السابق. رجال المصفاة الذين عرفت بعض وجوههم في غرف التشغيل والطعام، أصبحوا الآن واقفين خارج الأسوار، يعبّرون عن مطالبهم بإصرار. ومع ذلك، حين عرفوا أنني متدرب قادم من الخارج، وأن وجودي لا علاقة له بالخلاف، سمحوا لي بالدخول باحترام ودون مضايقة. أما مسؤولو المصفاة، فكانوا يدخلون بطريقة استثنائية، ليس عبر سياراتهم المعتادة، بل عبر قطار صغير يدخل إلى داخل المصفاة، ربما كان مخصصاً لمثل هذه الظروف الطارئة.
كان المشهد يحمل شيئاً من الدراما الصناعية: منشأة ضخمة تعمل تحت ضغط التشغيل، وعمال على البوابات يطالبون بحقوقهم، وإدارة تبحث عن حلول، ومصالح كبيرة تتحرك بين الطرفين
خلال الأسبوعين المتبقيين، أصبحت مهمتي حضور اجتماعات الإدارة بصفة مراقب، أتابع كيف تُدار الأزمة، وكيف تُناقش الحلول مع نقابة العمال. لم تكن تلك الأيام مجرد تدريب عادي، بل كانت درساً حياً في العلاقات الصناعية، وفي إدارة الأزمات، وفي فهم الإنسان داخل بيئة العمل.
كنت أخرج من المصفاة متأخراً، فأرى العمال ما زالوا متمركزين في الخارج، وقد أوقدوا ناراً يتدفؤون بها من برد الشمال الإنجليزي. كانت النار في ظاهرها وسيلة لمقاومة البرد، لكنها بدت لي رمزاً لنار أخرى في داخلهم؛ نار مطالب لم تنطفئ، ورغبة في أن يُسمع صوتهم.
انتهت مهمتي في ستانلو، وغادرت مع السيدة التي أوصلتني إلى محطة القطار، حاملاً حقيبتي، وجدولي التالي، وذاكرة مختلفة عن التدريب والعمل. كنت متجهاً إلى مدينة أخرى لإكمال البرنامج، لكنني غادرت تلك المصفاة وأنا أكثر نضجاً في فهم بيئات العمل.
علّمتني تلك التجربة أن المنشآت الصناعية لا تُدار بالمعدات والأنابيب والأرقام وحدها، بل تُدار أيضاً بالناس؛ بمخاوفهم، وحقوقهم، وولائهم، وغضبهم، وطموحاتهم. بين إدارة تسعى إلى استمرار التشغيل وتحقيق الأرباح، وعمال يعملون ليل نهار ويريدون إنصافاً يليق بجهدهم، يقف الإنسان دائماً في قلب المعادلة.
كانت تلك المرحلة من أشد فترات تدريبي في بريطانيا، لكنها كانت من أكثرها أثراً. خرجت منها بخبرة لا تمنحها القاعات الدراسية وحدها، بل تصنعها المواقف الحية حين ترى العين صورته الكاملة: إدارة، وتشغيل، ونقابة، وأزمة، وإنسان.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.