مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / إلى من يطفيء الحرف

إلى من يطفيء الحرف

أكتب عن حدثٍ دنيوي، عن موقفٍ من مواقف البشر، فيرى بعضهم في كلماتي مثاليةً ، فيرفعونني إلى مقامٍ لا أنتمي إليه، وفي المقابل، هناك من يهوّن شأن الكتابة، ويقول بثقةٍ تُغلق الأبواب: “لماذا تكتب؟ كل شيء في القرآن والسنة.”

لكنني لا أكتب لأزاحم الوحي، ولا لأتفوّق على كلام الله ورسوله. أنا بشر، أخطئ وأصيب، أتناول ما نعيشه بلغتنا المعاصرة، محاولًا أن أضع المرآة أمام أنفسنا، لا أمام السماء.

نحن نؤمن بالوحي، ونوقّر النصوص التي تهدينا، ولكن بين الإيمان والتطبيق مسافةٌ من النسيان والجدل والخطأ.من هنا تولد الحاجة إلى الكلمة البشرية: الكلمة التي تذكّر، وتفسّر، وتُعيد المعنى إلى الوعي.

قال الله تعالى:

«وذكّر فإن الذكرى تنفع المؤمنين»

فالكتابة — في جوهرها — نوعٌ من الذكرى، امتدادٌ للتذكير الإلهي، لكنها تأتي بلغةٍ يفهمها أهل زمانها.

فالآيات واحدة، لكن العصور تتبدّل، والقلوب تختلف، والعقول تحتاج إلى من يوقظها بكلمةٍ من واقعها.

نحن لا نكتب لأننا أبلغ من القرآن، بل لأننا نبحث عن أنفسنا بين سطوره؛ نحاول أن نفهم ضعفنا الإنساني، وانحرافنا في زمنٍ اختلطت فيه المفاهيم، حتى تغيّر معنى الصدق، وتبدّل وجه الكذب.

وهنا تبدأ المواجهة الحقيقية: مع من يظن أن الله أغلق أبواب التفكير بعد نزول الوحي، ومع من يرى في الكلمة الصادقة جريمةً في حقّ النصّ المقدس.

يا من تحتجّون بالوحي لإسكات الحرف،

القرآن لم يُنزَّل ليمنعنا من الكتابة، بل ليعلّمنا كيف نكتب بالصدق والعدل والبيان.

لم يقل الله “اسكتوا فإن الآيات كافية”، بل قال: «وذكّر»، لأن الذكرى لا تتوقف عند نصّ، بل تتجدّد في كل عقلٍ وضميرٍ يعي كلام الله.

نكتب لأننا لا نريد أن نمشي بنورٍ لم نفهمه، ولا أن نحيا في زمنٍ يعيد تلاوة الآيات دون أن يطبّق معناها.

نكتب لأننا نؤمن أن الكلمة — حين تصدق — ليست نِدًّا للوحي، بل صدىً له، وامتدادٌ لرسالته في ضمير الإنسان.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

تأملات في عالم الإنسان

تسارعت تطوّرات القرن الحادي والعشرين حتى صار الإنسان غريبًا في عالمٍ تدور فيه عجلة التقنية …