أبدأ يومياتي بهذه المقدمة بحروفي هذا الأسبوع بمناسبة اليوم الوطني السعودي بعنوان : فخري إني سعودي:

اليوم يومنا .. يوم الوطن اللي ما نبدله بغيره .. الأرض اللي احتضنتنا من أول صرخة، واللي عشنا على ترابها ورزقها .. عشنا فيها عيشة العز والكرامة، واللي دايم نرفع راسنا فيها ولا يوم ننكر فضلها ولا جميلها.
أمن وأمان .. ورفعة بين الأمم .. لفينا العالم، وشُفنا ديرة وبلدان، لكن قلوبنا ما تميل إلا له، هو اللي نكتبه في صدورنا ونرسِمه في أرواحنا .. هو الفخر وهو الهوى.
مرينا معه بأفراح النصر، وبكينا فراق ملوكنا السابقين اللي كانوا عز وسند .. ملوكنا اللي حملوا همنا قبل همهم، اللي كانوا مع الشعب قلب واحد، لا فرق بينهم وبينّا .. عشنا معهم سنين وراء سنين، وكل عقد من عقود الزمن شاهد على حب متبادل ما يتغيّر.
هالوطن ما هو بس حدود .. هذا تاريخ وأصالة، وهذا عطاء وجهد وتضحيات .. زرعنا سنين من المعالي على أرضه، وقطفنا ثمار الصبر والعمل، بالرغم من البلاوي اللي حولنا، لكن خطانا كانت ثابتة، وعزيمتنا متسلحة بدين الله وسنة نبيه.
ما خفنا من مستقبل، ولا تعبتنا دروب .. بالعكس، زادنا الصبر قوة، وزادنا الإيمان ثبات.
يعلم الله يا وطن إنك غالي .. نحبك حب ما توصفه كلمات، ونحب ناسك ونفتخر بحكامك .. ما لهم بديل، ولا لهم مثيل .. الله يحفظهم، ويحفظك لنا دار عز وكرامة، وتبقى دايم شامخ بين الأوطان.
يا موطنٍ فيك العزّ راسه مرفوع
ما نرضى بغيرك دار ولا بديل
حبّك بقلوبٍ على الوفا مطبوع
يا عزنا يا فخرنا يا الوطن الأصيل


بدأت صباحي هذا اليوم بجولة صباحية في أحياء مدينتي الجبيل الصناعية .. في شوارعها وشواطئها .. مررت بمحلة الحجاز حيث عشت في ذلك الشارع أحلى سنيني الأولى في المدينة .. مررت ببناية سكنتها مع زملائي أيام العزوبية قبل الزواج ،كنا نسميها شقة الفناتير ..
تلك الشقة لم تكن مجرد سكن، بل كانت إمارة صغيرة لها قوانينها الخاصة: سعد الغامدي هو الطباخ الماهر، وأنا أطبخ أحيانًا حسب “جدول الأدوار”، وفهد المحفوظ… هو المتذوق الرسمي الذي يوقّع شهادة صلاحية الطبخة قبل أن نأكل. وإذا سألت عن مهامه الأخرى، فهي إطلاق النكات ثم الانسحاب قبل معركة غسل الصحون، وكأنه يتمتع بامتيازات كبار الشخصيات.
الحي يومها كان في بدايته، شبه فارغ، ونحن أول ساكنيه. تخيّل شوارع بلا زحام، وبحر الفناتير يلوّح لنا بلا جمهور، وصوت الغلاية يُسمع من مسافة كيلومتر.
نهاية الأسبوع كانت حكاية أخرى: فهد يذهب إلى أهله في الدمام، بينما نحن – بما أن أهلنا بعيدون – كنا نتجمع كأننا عائلة بديلة. في العمارة نفسها، كان لنا شركاء في البناية في شقة مقابلة: علي الصيخان يحاول جرّنا لصالة الألعاب، وصالح الصويان يسحبنا للبحر حيث الشواء والشيشة ومسامرات لا يسمعها سوى القمر والنجوم.
مسؤولياتنا كانت بسيطة: كيّ ثوب، إعداد وجبة، أو تخطيط جلسة مسائية قد تنتهي بمناقشة فلسفية حول: “هل نطبخ كبسة أم مكرونة الليلة؟”. وبالرغم من بساطتها، كنا نشعر أننا نصنع تاريخًا مصغّرًا. ولو كتب كل واحد منا فصله، لخرجنا برواية “شقة الفناتير” تنافس “شقة الحرية” لغازي القصيبي.
آه يا جبيل الثمانينات… ويا بدايات حي الفناتير، حيث كنا أول الساكنين، والهدوء ملكنا، والضحك يملأ الفراغات بدل الزحام. تلك كانت أيامًا تصنع ذكريات لا تُشترى، حتى لو كان عنوانها مجرد كبسة ملحها قليل.


صدر عن الوزارة المختصة في (شؤون نفسي) وميزانها العام قرارٌ حاسم يقضي بقطع العلاقات التواصلية والعاطفية مع أحد مصادر الإزعاج، وذلك بعد ما ثبت من اعتداءات متكررة على سيادة (خاطري) وتدخل سافر في (شؤوني) الداخلية.
لقد أدى هذا التعدي المارق إلى هجوم مباشر على استقراري النفسي، نتج عنه إصابات متفرقة في المزاج، بعضها في الجبهة الأمامية للضحك، وأخرى في خاصرة السرور، بينما تعرّضت كتيبة الفرح لخسائر جسيمة أجبرتها على الانسحاب من الميدان العاطفي إلى مواقع خلفية.
وعليه، قررت الوزارة سحب سفراء الضحك والبهجة من الظهور العلني، وجرى إيقاف مؤقت لرحلات الابتسامة العابرة للوجه حتى إشعار آخر.
وقد تطورات الأزمة بعد ذلك، فأصدر القلـب رسالة احتجاج رسمية، عبّر فيها عن رفضه القاطع لفتح أبوابه مجددًا. في المقابل، أبدى العقل تفهّمًا للوضع الحساس، لكنه طالب بعقد قمة طارئة لبحث آليات التعايش مع الأزمة، مع التشديد على ضرورة الالتزام بالبروتوكول الدبلوماسي للعواطف.
إنعقد مؤتمر قمة يجمع بين القلب والعقل، وأصدر بياناً ختامياً شمل المقررات التالية:
1. تشديد الرقابة على الحدود النفسية ومنع أي تسللات شعورية غير مرخصة.
2. إعادة هيكلة جهاز المزاج العام بما يتوافق مع سياسة الانسجام الداخلي.
3. إطلاق مبادرة للضحك الاحتياطي تحسبًا لأي نقص في المؤن السعادية.
4. التأكيد على وحدة الجبهة الداخلية بين القلب والعقل والروح ضد أي محاولات انكسار عاطفي.
وفي الختام، تقدمت (وزارتي النفسية) بوافر الشكر والتقدير لـ العقل الكريم على حسن إدارة الأزمة، ولـ القلب الصابر على صموده البطولي.


فاجأتنا المذيعة الأستاذة سارة دندراوي في برنامجها الناجح (تفاعل) بدراسة تقول إن السعوديين أقل الشعوب نوماً، ووافقها الضيف الكريم على ذلك الرأي، رغم أن ملامحه على الشاشة بدت وكأنه يوشك أن يغفو!
وأنا بدوري لا أملك إلا أن أبتسم عند سماع مثل هذه الدراسات، لأنني أعرف أشخاصاً – زملاء وأقارب – رعاهم الله، يعشقون النوم عشقاً عجيباً. إيقاظ بعضهم مهمة تفوق صعوبة إقلاع طائرة في عاصفة رملية، حتى لو كان على موعد مع عمله أو دراسته. أما آخرون فدائماً ما يعتذرون عن عدم الرد على اتصالي بأنهم كانوا نياماً… في أوقات ليست أصلاً مخصصة للنوم!
من هنا بدأت أشك في شفافية الدراسة: هل يعقل أن السعوديين أقل الشعوب نوماً، بينما ربعي – وأقولها بمحبة – من “أبطال الغفوة”؟ ربما تكون المشكلة عندي أنا، وربعي فقط هم الاستثناء!
أما عن نفسي، فلا أتجاوز ست ساعات من النوم – سواء متصلة أو على دفعات – والفضل بعد الله يعود لطبيعة العمل والانضباط في الحضور. صحيح أن بعض القطاعات سابقاً لم تكن صارمة في مسألة الالتزام، لكن اللوائح والأنظمة الجديدة غيّرت الصورة فعلاً، وصارت ساعات النوم تقل تبعاً لذلك. وربما أنني لم أقم بتحديث بياناتي بعد التقاعد؛ فالأمر مختلف الآن.
في النهاية، النوم نعمة، لكنه حين يزيد عن حده يصبح مثل السكر في الشاي: يفسد الطعم بدلاً من أن يحليه. نوماً هنيئاً أيها السادة، بلا إفراط ولا تفريط.


جلس صاحبنا على كرسي مذهب كأنه عرش، وأصلح من جلسته متصدّراً المجلس. لم يكد يطلب الكلمة حتى تسابق أحد المصفقين من جماعة “النفاق الاجتماعي” قائلاً: “حدّثنا يا فلان!”
ابتسم الرجل ابتسامة مَن وجد فرصته الذهبية، ومدّ يده إلى جيبه كما يمدّ فارس سيفه من غمده، فأخرج هاتفه الجوال. فتحه بكل فخر ثم بدأ يتلو على الحاضرين ما ادّخره من “محفوظات” جمعها في ذاكرة هاتفه.
بدأ كلامه: “سألأحدالحكماءتلاميذهعن…”، وما لبث أن استرسل في حوار طويل بين الحكيم وتلاميذه، حوار لا علاقة له بالحكمة بقدر ما يعكس قناعاته الشخصية.
جلس الحضور بين دهشة وصمت، بعضهم قاوم النعاس بفنجال شاي، وبعضهم أطلق تنهيدة صامتة، والبعض الآخر رسم على وجهه ابتسامة “مجبور”. أجسادهم بدت وكأنها في جلسة استرخاء جماعية، لكنها استرخاء من نوع مؤلم، أصغرهم سناً يفتح جواله تحت الطاولة يتأكد: “هذهنفسالقصةالليجاتنيعلىالواتسأمس؟”
ازداد فخر المتحدث وهو يعيد بعض الجمل مرتين لتصحيحها لغوياً، بينما الحاضرين يلاحظون أنّ صوته يضعف شيئاً فشيئاً، ويقطعه سعال متكرر بعد كل جملتين.
صاحب الدعوة كان يتقلب في مجلسه قلقاً: الطعام جاهز، والضيوف جائعون، لكنه عاجز عن مقاطعة “الموسوعة المتنقلة”. همس في نفسه: “ليتنيلمأدعه… لقدصادرسهرتناكلها!”
انتهى المجلس على غير ما خُطِّط له. بدل أن يتبادل الحضور الأحاديث الودية، ويسأل بعضهم عن أخبار الغائبين والضيوف، تحولت الليلة إلى منبر احتكار. كان المتحدث يحلم أن يقول الناس عنه: “حدثنافلان،فأمتعناوأفادنا!”، لكن الحقيقة أن لسان حالهم جميعاً كان: “ضاعت سهرتنا بين (سأل فلان) و(قال فلان).!!




صورة قديمة تجمع شقيقي الراحل مساعدبنأحمدالعثمان – رحمه الله وأسكنه فسيح جناته – يتوسط خاله الكريم سعداللهبنصالح – شفاه الله وعافاه وأسبغ عليه لباس الصحة والعافية، وخفف عنه ما يعانيه، وجعل ما أصابه رفعة في درجاته وتكفيراً لذنوبه – وأخي الغالي سعيدبنأحمدالعثمان – شفاه الله وعافاه ولطف بحاله، وجعل ما أصابه في ميزان حسناته.
وفي هذا اليوم الفضيل، يوم الجمعة المبارك، أرفع أكفّ الدعاء لهم ولجميع المرضى والمبتلين:
اللهم اشفِ خالي سعد الله وأخي سعيد شفاءً لا يغادر سقماً، وأقرّ به أعين أهلهم ومحبيهم، وامنحهم الصبر والطمأنينة، وأبدلهم عافية تامة تشرح صدورهم وتعيد لهم قوتهم.
اللهم اشفِ كل مريض، وفرّج عن كل مهموم، ويسّر أمر كل من ضاقت به السبل، وامنح من يرعاهم الأجر والثواب، وبلّغهم فرحة الشفاء العاجل، واجعل مصابهم رفعة في درجاتهم وتطهيراً لذنوبهم.
🤲 اللهم في هذا اليوم المبارك، اجعلها ساعة إجابة، واستجب دعاءنا إنك على كل شيء قدير.


من داخل قصر المصمك العتيق، الشامخ وسط مدينة الرياض، الشاهد على أحداث جسام في تاريخ المملكة العربية السعودية، كانت زيارتنا له عام ١٩٩٩م برفقة أبنائي وأبناء أشقائي (سعيد – شفاه الله – وعبد الله – حفظه الله).
كانوا يومها يافعين يتطلعون بشغف لمعرفة تاريخ وطنهم المجيد، وتشرّبوا من تلك الزيارة قيمة الانتماء والفخر بجذور هذا الوطن العظيم.
واليوم، وبعد أن درسوا وتخرجوا، ها هم في مواقع عملهم، كلٌّ في مجاله، يساهمون في خدمة وطنهم ورفعته. وبشعار (عزنا بطبعنا)، يواصلون مع أبناء وطنهم مسيرة المثابرة والعمل، متمسكين بدينهم القويم، وأخلاقهم العربية الأصيلة، فهي مصدر صلاحهم وقوتهم.
اللهم احفظ الوطن وأحفظهم من كل مكروه، فهم يفخرون به ويفتخر بهم.ونسأل الله أن يديم علينا الأمن والأمان والازدهار في ظل قيادتنا الحكيمة.
🇸🇦 دام عزك يا وطن.
أتمنى لكم أسبوعًا قادمًا مباركًا 🌸
I wish you a blessed coming week 🌟
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.