مواضيع منوعة
الرئيسية / منوعات / علي العثمان : حين يخطّ العقل خرائط الجسد

علي العثمان : حين يخطّ العقل خرائط الجسد

كتب الأستاذ : علي بن سعد الله العثمان :

من سمات الإنسانية الواحدة أن الثقافات، رغم اختلاف لغاتها وعصورها ومناهجها، تتفق على حقائق جوهرية تتعلق بالإنسان وكيانه. ومن أبرز هذه الحقائق أن الفكر ليس منفصلًا عن الجسد، بل هو شريك في الصحة والمرض. ولعل هذا التوافق بين الفلاسفة والأطباء والمفكرين في الشرق والغرب إنما هو دليل على وحدة الأصل، فالخالق واحد، والإنسان ـ أينما كان ـ يعبّر عن همومه وآلامه بلغة تكاد تكون واحدة.

يقول ابن سينا (980–1037م، فارسي، طبيب وفيلسوف إسلامي): “الاطمئنان نصف الدواء”. في هذه العبارة يختصر الحكيم سرًّا عميقًا ظلّت العلوم الطبية والفلسفية تلاحقه عبر العصور: أن الجسد لا ينفصل عن النفس، وأن راحة العقل وطمأنينته قد تكون أقوى من العقاقير.

يمسي الجسد ـ كما يعبّر ابن سينا ـ رهينة لفكره، إذ تغلق النفس أبواب الشفاء حين يستبد بها رهاب داخلي، فيكرره العقل ويؤكده اللسان، حتى يغدو المرض نبوءة ذاتية التحقق. ولذا لم يرَ ابن سينا الوهم مجرد انفعال عابر، بل بنية باطنية متماسكة تصوغ حياة الإنسان من الداخل كما يُصاغ العظم في الجسد.

ويقول آرثر شوبنهاور (1788–1860م، ألماني، فيلسوف): “إن الإنسان لا يعاني لأنه يتألم، بل لأنه يتخيل شيئًا لا يحصل عليه”. هنا تتحول المعاناة من مجرد استجابة جسدية للألم إلى استجابة فكرية للتصورات والرغبات المحبطة. إن الألم في جوهره ليس ما نشعر به فحسب، بل ما نتخيله ونضخمه في وعينا.

أما ميشيل فوكو (1926–1984م، فرنسي، فيلسوف ومؤرخ للأفكار) فيذهب أبعد حين يقرر أن المرض ليس حقيقة مستقلة، بل بناء متشابك من المعتقدات والسياقات والخطابات. فإذا صدّق المرء فكرة معينة، فإن جسده يترجمها أعراضًا، وكأن اللغة والفكر يخلقان في الجسد حقائق لا يمكن نكرانها.

ويضيف جان بول سارتر (1905–1980م، فرنسي، فيلسوف وجودي) بُعدًا آخر: “الوعي الذي يعرف أنه سيموت لا يمرض فقط من الجراثيم، بل من فكرته عن نفسه”. فالإنسان كائن يعرف محدوديته، ولذلك تتجاوز أمراضه البُعد الفيسيولوجي إلى بُعد وجودي عميق، حيث الألم ليس وجعًا عضويًا فحسب، بل قلقًا من معنى الحياة والموت.

نخلص مما سبق أن هذه الرؤى تلتقي، رغم اختلاف منابتها الحضارية، على أن المرض ليس مجرد اختلال في وظائف الجسد، بل هو انعكاس لاضطراب في الفكر والوجدان. فالعقل الذي يطمئن يفتح أبواب الشفاء، والذي يتشاءم أو يستسلم للوهم يهيئ الجسد للانكسار. وهكذا يظهر أن الطب الحقيقي لا يقتصر على وصفة دوائية، بل يمتد إلى إعادة بناء الوعي، وتصحيح المعتقدات، وإحياء الأمل في النفس.

ونختم أنه مهما اجتهد الفلاسفة والأطباء في تحليل العلاقة بين الفكر والجسد، ومهما تنوعت تفسيراتهم للمرض ومعناه، فإن الحقيقة الكبرى تبقى أن الله سبحانه هو المهيمن على هذا الكون، وهو الذي بيده ملكوت كل شيء. قد يجعل للطمأنينة والعقل أثرًا في الشفاء، وقد يُبقي المرض ابتلاءً حتى الممات، وكل ذلك لحكمة يعلمها وحده. وكما قال الخليل إبراهيم عليه السلام:

{ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [الشعراء: 80].

فالدواء سبب، والفكر راحة، والطب وسيلة، لكن الشفاء في النهاية من عند الله جلّ وعلا.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الإنسان والتوازن الطبيعي

كتب : علي العثمان ينفرد الإنسان عن سائر الكائنات بحرية الاختيار، فهو ليس مجرد مخلوق …