مواضيع منوعة
الرئيسية / يوميات عثمان / يوميات عثمان 3

يوميات عثمان 3

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح النهار حين يكشف، وغموض الليل حين يواري. أكتب منها ما لم يذُب في النسيان، وأسرد ما سمحت به الذات أن يغادر صمتها… ففي التوثيق حياة ثانية، وفي البوح خلاصٌ من تراكم اللحظة.

الصورة التي نالت إعجابي هي صورة للخال العزيز والصديق : مسفر بن عبد الله بن شائق، التُقطت الأسبوع الماضي خلال حفل ختام نشاط اجتماعي في حوالة بمنطقة الباحة.

لقطة تعبّر عن لحظة تأمل وتفكير، لا يدرك معناها إلا “أبو عبد الله” نفسه، حفظه الله.

الخال مسفر حريص دائمًا على حضور معظم المناسبات الاجتماعية، ويشارك بحضوره المميز شاعرًا ومُحبًا، وسط تقدير كبير من الحاضرين لمكانته ومكانة أسرته العريقة في المجتمع الحوالي.

تحياتي لأبي عبد الله ..

عند تعطل الأجهزة الكهربائية في منزل الأسرة، يحدث ارتباك طبيعي في مجريات اليوم، وهو أمر متوقع في إدارة شؤون المنزل. فالأعطال جزء من الحياة، وما دامت مشيئة الله نافذة، فالحكمة أن نواجهها بهدوء وتبصر.

في هذا اليوم، تعطل المحرّك الإلكتروني لأحد بابَي الكراج، ولحسن الحظ لم يكن في وقتٍ حرج، وإلا لكان قد تسبّب في تأخير أبنائي عن أعمالهم ..  تم التعامل معه مؤقتًا بتحويله إلى النظام اليدوي.

وفي صباح اليوم التالي، حضر المهندس عبد الواحد برفقة فريقه الفني. وبعد الكشف، تبيّن أن موديل المحرك قديم، ولا تتوفر له قطع غيار داخل المملكة.

عرض عليّ خيارًا وحيدًا: استبداله بمحرك جديد حديث، بسعر يتجاوز الألفي ريال، إضافة إلى تكلفة التركيب.

وافقت برحابة صدر، لثقتي في عبد الواحد، خاصة وأن الجهاز كان متوفرًا في سيارته، وقد أخبرني بأنه يحتفظ يوميًا بجهازين بسبب كثرة الطلبات على مثل هذه الأعطال.

استغرقت عملية التركيب قرابة ساعتين، تخللها وقت صلاة الظهر. وكان الطقس في ذلك النهار شديد الحرارة، مما استوجب إمدادهم بالماء والعصائر المنعشة حفاظًا على صحتهم. وختمت ضيافتي لهم بوجبة رز بخاري.

أنهوا عملهم بإتقان، وغادروا بعد استلام أجرهم، قبل أن يجفّ عرقهم.

شكرت المهندس عبد الواحد على سرعة الاستجابة وجودة التنفيذ، وطلبت أن أكون من ضمن أولوياته متى ما حدث عطل في الأبواب… ليذكُر حسن تعاملي وسخاء روحي معه، ليردّ بالمثل.

إحترام الناس واجب، وإحترام التعلميات التي تحمي الإنسان من ضرر الآخرين مهم .. إحترام الناس وهم ليسوا أمامك أهم وأبلغ في حماية الذوق العام، وخاصة في الخدمات العامة التي وفرتها المنشاءات في سبيل هذه الغاية السامية .. حينما يقف شخص بسيارته في موقف مخصص ومخطط بعلامة منع الوقوف لدواعي خدمة المتسوقين لهدف مرور عربات التسوق، فهذا يعد عدم إحترام للمجتمع وأفراده، وأنانية مطلقة تحصّل عليها بدون وجه حق .. المشكلة عندما تنصحه فلا هو الذي استمع ولا عدل عن خطأه .. عندها تقول له : سلاما .. أنت لست منّا ..

اليوم، راودتني رغبة في التعرّف على اللغة اليابانية، وذلك بعد مكالمة مع زميل ياباني.وخلال حديثنا باللغة الإنجليزية، أشار إلى بعض المفردات اليابانية ومعانيها الصوتية، مما أثار دهشتي وتأملي.

حمدت الله على أن لغتنا العربية، رغم غناها وتعدد مفرداتها – فـ”السيف” وحده له أكثر من مائة اسم – تظل شريفة النطق، بليغة اللسان، عزيزة القدر، ونشازها قليل إلى حد الندرة.

علمت خلال الحديث أن اليابان تواجه إشكالية لغوية مع نظام “الكانجي”، وهو نظام كتابة معتمد في اللغة اليابانية، حيث يمثّل كل رمز فكرة أو مفهومًا معينًا، وليس فقط صوتًا.

وقد دفع هذا التعقيد السلطات المحلية إلى مطالبة الآباء بقراءة أسماء أبنائهم الجديدة صوتيًا، في محاولة للحد من الأسماء ذات النطق الغريب أو غير المألوف، بل أحيانًا المثير للسخرية.

ومع انتشار الأسماء غير الواضحة في المدارس والمستشفيات وغيرها، اتُّخذ قرار بحصر استخدام الكانجي في الصيغ المعترف بها رسميًا، سعيًا لتقليل الإرباك في الأماكن العامة.

وللمعلومية، يبلغ عدد رموز “الكانجي” نحو ثلاثة آلاف رمز، يحمل كلٌ منها قراءات متعددة، تتفاوت بين التقليدي والمركّب، وبعضها ينطوي على أصوات شديدة الغرابة.

سبحان الله،  .. سبحان الله ..  فلحكمته البالغة جعل اللغات متعددة، وجعل الناس ألواناً كذلك، كما قال تعالى :

  (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ).

أنا متعاطف مع لبنان، وأحزن لحزنه ..لبنان الثقافة، لبنان الفن، لبنان الذي أضاء الشرق بحروفه وأنغامه وجماله.

جيلنا تربّى على الذائقة اللبنانية الرفيعة: من صحف ومجلات، إلى قصائد وفنانين عظماء، سكنوا الذاكرة العربية بأناقتهم وإبداعهم.

في شبابي، كنت أحرص على متابعة هذا الألق، تلك الثقافة التي لا تشبه سواها، عالية الطراز، رفيعة الروح.

ولا تزال ذاكرتي تعود يومًا بعد يوم إلى تلك اللحظات، أبحث عنها في أرشيف اليوتيوب، كأنني أسترجع قطعة من قلبي.

حرام أن يعيش هذا البلد العربي الجميل في دوامة لا تنتهي، منذ الحرب الأهلية وحتى اليوم، تتخاطفه التدخلات الأجنبية الغير عربية، التي لا ترى فيه إلا مصلحة لا تمت بلبنان بصلة، وفوق هذا كله، تقف إسرائيل على حافة الحدود، تغار من تسامحه، من ذوقه، من حبّ العرب والعالم المتقدم له.

نريد لبنان الذي نحبّه أن يعود..

لبنان بروحه التي لا تموت،

 لبنان الذي يليق بتاريخه،

 ويليق بنا كعرب نؤمن بالجمال،

 وبأن الأوطان التي تنزف لا تموت، بل تنهض وتُبهر من جديد.

بينما كنت هذا الصباح أراجع مدونتي استعدادًا لتجهيز مادة جديدة للنشر، واجهتني بعض الصعوبة في تحميل الصور الخاصة بالموضوع. حاولت مرارًا، ثم اتجهت إلى إعدادات المدونة بحثًا عن سبب المشكلة، ولكن دون جدوى.

عبثت – دون قصد – ببعض إعدادات الإضافات التقنية، فحدث ما لم يكن في الحسبان: تحوّلت شاشة الموقع إلى صفحة بيضاء خالية تمامًا! حاولت إصلاح ما حدث، ولجأت إلى تعليمات الاستعادة، لكن دون نجاح.

شعرت بألمٍ حقيقي، وكأنني فقدت شيئًا ثمينًا. حارت بي النفس، فما كان مني إلا أن اتصلت بمنقذي الدائم، ابني أحمد. شرحت له الموقف، وألححت في طلبي، رغم أنه كان في مكتبه أثناء الدوام، وجهازه الشخصي في المنزل.

ومع ذلك، وببراعة عبر جواله فقط، تمكّن من استعادة الموقع، وأجرى التحديثات اللازمة التي حفظت محتوى المدونة كما كان. أحمد هو من يتولى دائمًا، مشكورًا، مهمة حفظ النسخ الاحتياطية للموقع.

شكرًا أحمد، وآسف على الإزعاج.

واوووو… الحمد لله.

محض المصادفة، أرسل لي عديلي أبو عبد الرحمن صورة التقطها أثناء مروره بأحد شوارع الرياض، وقد لفت نظره اسم الشارع: “أحمد بن عثمان”، وهو اسم والدي رحمه الله، الذي عاش في الرياض لأكثر من أربعين عامًا.

الشارع يقع في حي العريجاء الغربي، وقد أثارت هذه المصادفة في نفسي شعورًا خاصًا، غير أنني أعلم أن التسمية تعود لرجل فاضل له مكانته، لم أتعرف على سيرته بعد. فإن كان لدى أحدكم معرفة بصاحب هذا الاسم، فليخبرني مشكورًا، وإلا فسأدّعي بكل فخر أنه والدي، رحمه الله.


في شهر أغسطس، نخوض وجهاز التكييف معركة يومية ضد حر الصيف ورطوبته.

الضحى مشمسٌ ورطب، وإذا ما هبّ نسيم، رقّ له لهيب الجو قليلًا. أما في الليل، فالرطوبة خانقة… حتى إني أكاد أستنشق عطر المارّين من حولي!

هذا المزيج القاسي من الحر والرطوبة يجعلني أستحم مرتين في اليوم، وأبدّل ملابسي الداخلية والخارجية باستمرار.

فهما يطبخان الرُّطب حتى يغدو تمرًا… فكيف بالبشر؟!

ورغم كل ذلك، تبقى أجمل لحظاتي الصيفية تلك الصباحية المبكرة على شاطئ البحر… لا حيلة لي بغير هذه المتعة، سوى الاحتماء تحت المكيّف.

متعة الصيف الحقيقية في فاكهته الموسمية المتنوعة، التي نُسلّي بها أنفسنا ونحمد الله على نعمه… على كل حال.

غمزة 😉:

 “تحية إجلال وتقدير

لمن قاوم الرغبة بالسفر للخارج

وجلس مع اهله بالحوش

وقال لهم :

كن اليوم أبرد من أمس”

في يوم الجمعة، يوم النفحات والبركات،

نسأل الله فيه الرحمة والعافية، ونسأله تعالى أن يشفي كل مريضٍ من أحبابنا وأقاربنا وأصحابنا، وأن يُلهم أهاليهم الصبر والاحتساب، وأن يجعل ما أصابهم رفعةً لهم في الدرجات، ومحوًا للسيئات، ومثاقيلَ في موازين الحسنات، وأن يُثيبهم، ويُحسن لنا ولهم الخاتمة. إنه سميع مجيب.

في مثل هذا اليوم … في ذلك الصيف

تنبثق من الذاكرة صورةٌ قديمة، .. من عام 1994، في حوالة، بأرض الباحة الزاهرة .. حيث جمعت عدسة الزمن أبناء العمومة من آل عثمان،

يتوسّطهم أحمد بن سعيد، ابن شقيقي سعيد – شفاه الله وعافاه –,وعن يمينه باسم، ابن ابن العم الكريم عثمان بن سعد الله، وعن يساره ابني أحمد.

كانوا صبيةً يومها .. وجوههم تُشع ببدايات الرجولة، .. وعيونهم تحمل براءة الطفولة الأولى.

واليوم، كبر الصِّبا، واشتدّ العود، وغدَوا رجالًا،

لكن الصورة ما زالت تنبض…

تحكي عن لقاءات البيوت الأولى .. عن دفء المجالس، وهمسات الجدّان والجدّات .. عن شتاءاتٍ اجتمع فيها الأهل على مائدة واحدة .. وصيفٍ امتلأت أرجاؤه بصدى الضحكات.

تبقى الصورُ جُمرًا دافئًا في ذاكرة القلب ..

تُذكرنا بمن كانوا معنا .. وبمن لا يزالون فينا، وإن غاب بعضهم عن مجالسنا.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

يوميات عثمان 19

هذا قطافُ أسبوعٍ مضى من بساتين الزمن… لحظاتٌ وساعاتٌ تسربت من بين أصابعي، بين وضوح …