أجزم بأن صفة (المشيخة) و(الكرم) اكثر مفردات دارجة ومستهلكة إلى حد الإفراط في سرديتنا الشعبية ، حاضرة في كل الخطوب وفي القصائد الشعبية القديمة والحديثة، فكم من قصيدة تسكعت فيها هاتان المفردتان (الشيخ) و (الكريم) في أبياتها، ولا تكتمل مناسبة إلا بمدح مبالغ فيه، رغم أن معظم هؤلاء المستشعرين لم تروى عن مادحيهم مناقب شائعة، إنما هو تنزيل لوحي صفة مؤقتة لتلك السهرة الإستثنائية.
أثناء يوم التتويج الذي عادة ما يكون طارئاً،يتغنى الشعراء ومقدمو الحفلات بفتل إطلاق المناصب الغير معتمدة، والتي لا تسمح به الجهات الرسمية باستخدام مسمياتها الوظيفية، بحشرها في فقرة ترحيبية أو شعرية، أو عند توزيع قوارير المياة المجانية، ويشتد خفوق الطار وتهليل الحضور على وقعها.
بعيداً عن معاني هذه الألقاب والصفات وتعريفها لغة واصطلاحاً، لكن ما أراه بإنها مفردات تُدس،كما يدس العسل في الماء، وهي ابتذال للكلمة وهزهزة لقلوب الآخرين، ممجدين طيب الذكر صاحب المنصب الذي يتمتع به داخل هيئته وليس في مكان عام، أو صاحب البذل والعطاء الفياض قدّم ما بقي من ماله، هم لا يملكون الحق في إطلاق تلك الألقاب على أنفسهم بتلك الطريقة الفجة وسط سخرية الصامتين ممن دعوهم لسماع تلك الألقاب والتطبيل لهم.
تفاقمت هذه الظاهرة السائدة والمنتفخة من حالة الطفرة البترولية، بشكل يقرب إلى استعراض الوجاهة والمنة، والبحث عن وسيلة لسد النقص في الشخصية، فأصبح هذا التفاخر يرقى إلى أعلى من فضائل أخرى ومقدمة عليها مثل التسامح والصدق والإخلاص في العمل والإبتعاد عن الفساد المخفي والظاهر.
ترويج الصفات الذاتية العالية النبرة، وتأكيد المناصب بعد زوال مهمتها المعطاة والموهوبة، هي عادة لا يقبل بها ولاة الأمر ولا يتفق عليها عامة الناس، هناك تناقض ذاتي قد يؤدي إلى إنقسام الأراء ، و المفترض في هذه الألقاب أنها قيمة مضافة وصفة فريدة يتمتع بها الشخص من خلال شخصيته البعيدة عن التأثير الجماعي، وأنها معتبرة وأتفق عليها الناس، أو أعطيت وسُمح بها من جهات ذات الصلاحية، وليس هناك حدود واضحة يُجمع عليها الناس في مفهوم الصفات التي يهبها الشخص لذاته، فالصادق والمحترم والمتسامح واضح فيها الحدود، أما (الكرم) و(التنصيب) فهي مسألة نسبية محكومة بإطار ضيق يتكامل فيه كل الفضائل السابقة، ولا تقتصر على الجلوس على كرسي فخم في دعوة عشاء وثناء فقط.
فاصلة :
يقولون آخر الحقيقة هو الباطل، وكذلك (المشيخة) آخرها الإعفاء أو الموت و(الكرم) آخره البخل، نعم نحن نشيد بالمشيخة وبالكرم وبأهلها ونشهد للناس أنهم شيوخ وكرماء، وكل عزيز نفس شيخ وكريم بأخلاقه ولكن نسأل أنفسنا:
هل نحن شيوخ وكرماء في أخلاقنا وفي تسامحنا؟
وهل نحن شيوخ وكرماء في علاقاتنا الأسرية بالإحترام المتبادل؟
هل نحن شيوخ وكرماء مع أهلنا وأبناءنا بالنصح والإرشاد؟
وهل نحن شيوخ وكرماء مع انفسنا ومع الناس لكي نعيش في صفاء، وعدم تنافس على المال والحال والرزق، والبعد عن الحسد والغيرة.
وأخيراً وليس آخراً هل نحن كرماء مع الله ومع المنصب الإنساني الذي فضلنا به والنصيب الذي كتبه لنا؟
خاتمة:
قصة من الهياط العربي:
“حدّث أحدهم وقال :نزلت على غلام من العرب يتيم ذات ليلة، وكانت له مئة من الغنم، فذبح لي شاة منها وأتاني بها، فلما قرّب إليّ دماغها قلت: ما أطيب هذا الدماغ! قال: فذهب فلم يزل يأتيني منه حتى قلت: قد اكتفيت، فلما أصبحت إذا هو قد ذبح المئة شاة وبقي لا شي.!!!”
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.