أعود إلى تلك القرية البعيدة فوق سطح القمر، حيث بدأ الأكسجين ينقص والماء يجف، وأصبح رجالها يقفون عند الحافة يلوّحون للمركبات العابرة طلباً لشحنة تعينهم على الحياة. بعض السكان هاجر إلى كواكب أخرى، أما البقية فظلوا ينتظرون فرصة قد تتأخر أجيالاً.
حتى مطر القمر لم يعد نقياً، فقد تلوث بغازات كوكب مجاور، بينما يصرّ كبار القرية على أن الصمود كافٍ، وأن على الناس التكيف حتى يكتسبوا «مناعة القطيع القمرية»! ويذكّرونهم دائماً بأن القمر ما زال يضيء للأرض، وكأن جماله من بعيد يكفي لنسيان معاناة ساكنيه.
وبعد إلحاح أهل القمر، اقترح الكبار أن يطلب من أهل الأرض جزيرة أو قطعة عند أحد القطبين مقابل ذهب القمر. لكن السؤال: ماذا لو انتقل أهل القمر إلى الأرض واستهلكوا أكسجينها أيضاً؟
ربما يأتي يوم يقف فيه البشر على حافة الأرض يبحثون عن كوكب جديد!
وهنا تكمن الحكاية: المشكلة ليست دائماً في المكان، بل في طريقة إدارة الحياة. فما جدوى الانتقال إلى أرض جديدة إذا حملنا معنا الأسباب نفسها التي أفسدت الأرض القديمة؟
فالنجاة ليست في الهروب دائماً، بل في إصلاح المكان الذي نقف عليه.
عثمان✍️
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.