العلم.. ثم العلم، ولا شيء غير العلم قادر على الارتقاء بالأمم والدول نحو مستقبل أكثر إشراقاً. وحين يكون ديدن الشباب طلب المعرفة، والتخصص فيما ينفع الإنسان ويضيف إلى الحياة، فإن المجتمع كله يربح.
علماء الأرض الذين أسهموا في تقدم البشرية تفخر بهم أوطانهم؛ لأنهم لم يحملوا ألقاباً فحسب، بل صنعوا معرفةً واختراعاً وإنجازاً، وأسهموا في وضع دولهم في مصاف الأمم المتقدمة.
وللأسف، قد يختل ميزان التقدير لدينا أحياناً؛ فيصبح من يسجل هدفاً في مباراة حديث الناس، وتنهال عليه الشهرة والمكافآت، بينما قد يحقق باحث أو مبتكر إنجازاً علمياً مهماً فلا يتجاوز صداه أياماً قليلة. وقد تنتشر أغنية هابطة بين الصغير والكبير، ويحصد صاحبها الشهرة والمال، بينما يظل نابغة في العلم بعيداً عن الأضواء، رغم أن أثره قد يبقى لأجيال.
ومن صور هذا الخلل أيضاً الافتتان بالألقاب: الدكتور، والمهندس، والمستشار وغيرها. فالحصول على شهادة لا يعني أن صاحبها أصبح عالماً في تخصصه إلى الأبد. الشهادة بداية طريق وليست نهايته، وقيمتها الحقيقية فيما يأتي بعدها من ممارسة وتطوير وبحث وتجربة وتعلم مستمر.
هناك من يتخرج ثم يواصل مسيرته، يقرأ ويتخصص ويلاحق جديد العلم، فتزداد قيمة لقبه مع السنوات. وهناك من يتوقف علمه يوم استلام الشهادة، ثم يجعل منها جوازاً دائماً يسبق به اسمه في المجالس والخطابات والمناسبات، وكأن المسمى وحده دليل كفاءة.
والأشد غرابة أن يحمل الإنسان شهادة يتباهى بها، فإذا طُلب منه توثيقها أو معادلتها اكتشف أنها غير معترف بها، أو أنها صادرة من جهة لا تمنحها قيمة علمية حقيقية. عندها يصبح اللقب أكبر من الشهادة، والشهادة أكبر من المعرفة التي يحملها صاحبها.
العلم ليس لقباً نعلقه أمام أسمائنا، وإنما معرفة تظهر في عقولنا وأعمالنا. والمهندس تصنعه ممارسته، والدكتور تثبته معرفته، والمتخصص تشهد له حرفيته؛ أما الورقة وحدها، فقد تثبت أنك تخرجت يوماً، لكنها لا تثبت أنك بقيت عالماً طوال العمر.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.