كانت أولى خطواتي نحو التعليم من المدرسة الخالدية بالرياض عام ١٣٨٤هـ/ 1964م، الواقعة بين حي المرقب حيث منزلنا، وشارع البطحاء الذي يضم أمانة الرياض القديمة والمدرسة التذكارية، وعلى مقربة من متوسطة حطين التي أكملت فيها المرحلة المتوسطة.
دخلت الصف الأول الابتدائي وأنا في السادسة من عمري، وبرفقتي شقيقي سعيد، وكان أصغر مني بعام ولم يبلغ السن النظامية. حاول والدي -رحمه الله- إقناع إدارة المدرسة بقبوله، فوافقت على سبيل التجربة. لكن سعيد، وفي أول يوم دراسي، مزّق كتاب الهجاء وألقى به في برميل النفايات وسط فناء المدرسة وعلى مرأى من المعلمين، فرأت الإدارة أن سنه المبكرة لم تؤهله بعد للانتظام، فأُجل قبوله إلى العام التالي.
أما أنا، فلم تمضِ سوى ساعات من اليوم الثاني حتى كنت ألهو مع زملائي في فسحة المدرسة، فرحًا بأجواء الدراسة الجديدة، فإذا بقدمي تطأ زجاجة بيبسي مكسورة، فجرحت بطن قدمي اليسرى جرحًا عميقًا كدت أفقد معه الوعي. نُقلت إلى مستشفى لا أذكر اسمه اليوم، وأجريت لي عملية خياطة بنحو ست غرز، ثم عدت إلى المنزل. وبعد ثلاثة أيام فقط أصر والدي على عودتي إلى المدرسة، فكنت أمشي إليها وأنا أعرج، لكن ذلك لم يثنني عن مواصلة الدراسة.
انتهى ذلك العام بحصولي على الترتيب الأول في فصلي، وكان الفضل -بعد الله- لوالدتي رحمها الله، التي كانت مدرستي الأولى. غرست فيّ حب التعلم والانضباط، وكانت تتابع دروسي وكأنها معلمة متخصصة، رغم أنها لم تنل حظًا من التعليم النظامي. وبفضل تشجيعها وإصرارها واصلت التفوق حتى نهاية الصف الخامس الابتدائي.
لكن السنة السادسة حملت اختبارًا من نوع آخر. ففي صباح الاختبار النهائي لمادة الحساب اندلع حريق في منزلنا، وتركت الحادثة أثرًا بالغًا في والدتي، كما هزّت نفسي الصغيرة. دخلت قاعة الاختبار وأنا مشتت الذهن، فلم أوفق في أدائه، واستمرت آثار الصدمة حتى اختبار الدور الثاني، فلم أستطع تجاوزه أيضًا، فأعدت السنة الدراسية وسط استغراب إدارة المدرسة وأهلي.
ولم يكن أحد يدرك أن الطفل قد يرسب أحيانًا، ليس لضعف في قدراته، بل لأن قلبه كان يحمل من الهموم ما يفوق سنه. لقد فقدت في تلك الحادثة جزءًا من سكينة أمي، وفقدت معها السند الذي كان يرافقني في دروسي.
ومع ذلك بقي أثرها في حياتي لا يغيب. فقد كانت، رغم عدم تلقيها تعليمًا نظاميًا، تقرأ وتكتب، وتعلّم أبناءها بثقة واقتدار، حتى أصبحت بالنسبة لنا مدرسة كاملة في الصبر والحرص والإصرار.
رحم الله والدتي رحمة واسعة، وجزاها عنّا خير الجزاء، وشفى أخي سعيد وألبسه ثوب الصحة والعافية، والحمد لله رب العالمين.
عثمان ـ مدينة الجبيل الصناعية✍️
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.