حين أتحدث عن صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان، فإنني لا أتحدث عن رجل دولة أراه من بعيد، ولا عن شخصية عامة عرفتها من خلال ما يُكتب عنها، بل أتحدث عن زميل دراسة وصاحب عشرة امتدت أربع سنوات كاملة في جامعة البترول والمعادن؛ جمعتنا قاعات الدراسة، ومشاريع المواد، وحلقات المذاكرة في منزله، والنشاط الطلابي، ومواقف كثيرة بقي بعضها في الذاكرة حتى اليوم.
عرفت الأمير عبد العزيز طالباً قبل أن أعرفه رجل دولة. وكان منذ تلك السنوات المبكرة يحمل ملامح شخصية مختلفة: ذكاء متقد، وانضباط، وحرص على التحصيل، وثقة بالنفس لا يصاحبها تعالٍ، وتواضع يجعل من يجلس معه ينسى أحياناً أنه أمام أمير. كان شديد الحرص على ألا تكون الإمارة سبباً في محاباته أكاديمياً أو في معاملته داخل الجامعة، وكأنه يريد أن يقول لنا جميعاً إن الجامعة لها ميزان واحد: طالب أمام أستاذ، وزميل بين زملائه.
كنا نشاركه الفصل مع مجموعة من الزملاء الكرام، وكانت حلقات المذاكرة ومشاريع المواد العلمية ومشروع التخرج تجمعنا كثيراً في منزله. كنا نحرص جميعاً على أن تكون أعمالنا على مستوى من الإتقان والفهم، وكان عبد العزيز حاضراً بعقله ونقاشه وحرصه على أن نفهم ما نقدم، لا أن نقدم شيئاً لمجرد الحصول على درجة. وتلك الروح، في تقديري، هي إحدى البذور المبكرة لما أصبح عليه لاحقاً من رجل يهتم بالتفاصيل، ويبحث عن النتائج، ويعرف قيمة العمل الجماعي وحسن اختيار من يعمل معه.
ولم تكن علاقتنا به محصورة في قاعة الدراسة. حين كنت مسؤولاً عن بعض أنشطة دفعة عام 1977، كان الأمير عبد العزيز قريباً منا، يدعم النشاط معنوياً ومادياً، ويقف معنا خلف كواليس مسرح مبنى 10، ويشاركنا النشاطات الترفيهية على شاطئ الجامعة، والوجبات والمرح والحديث، بنفس أخوية جميلة لا تعرف التكلف ولا المسافات المصطنعة. لم يكن يحب أن توضع بينه وبين زملائه حواجز، ولذلك اكتسب محبة من عرفه؛ لا بصفته أميراً فقط، وإنما بصفته زميلاً وصديقاً وإنساناً قريباً من الناس.
ولعل الكثير مما رأيناه فيه في تلك السنوات كان امتداداً لمدرسة كبيرة نشأ في ظلالها؛ مدرسة والده خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، حفظه الله، وما عُرف عنه من حكمة ومعرفة بالرجال والتاريخ والإدارة، ومن قربه الطويل من إخوانه الملوك رحمهم الله. ومن يعرف الأمير عبد العزيز عن قرب يستطيع أن يلمح أثر تلك المدرسة في شخصيته: الهدوء عند القرار، والوضوح في الموقف، والوفاء للعلاقات، والقدرة على الجمع بين الحزم والتواضع.
لكن هناك موقفاً شخصياً بيني وبينه تجاوز عندي كل ذكريات الدراسة، وظل محفوراً في القلب لا أنساه ما حييت.
بعد تخرجنا بسنوات، أصيبت والدتي رحمها الله بمرض السرطان في المخ، وكانت حالتها الصحية صعبة وتحتاج إلى رعاية تخصصية عاجلة. وفي ذلك الظرف القاسي لم أجد بعد الله إلا أن ألجأ إلى زميل العمر الأمير عبد العزيز.
من مدينة الجبيل الصناعية حيث كان عملي، اتصلت بقصره في الرياض عن طريق الأخ علي سالم، وهو أيضاً من زملائنا في الجامعة وكان يعمل معه آنذاك. أخبرني علي بأن الأمير غير موجود في المملكة، وأنه في نيويورك في زيارة عمل أثناء عمله في وزارة البترول. طلبت منه رقم الاتصال هناك، فتكرم وأعطاني إياه.
اتصلت بنيويورك، ورد عليّ أحد معاوني الأمير، وأخبرني أن سموه في اجتماع. شرحت له أن لدي أمراً عائلياً ضرورياً وعاجلاً، وكان يعرف مسبقاً علاقتي بالأمير، فطلب مني الانتظار.
لم تمضِ سوى لحظات حتى كان الأمير عبد العزيز نفسه على الهاتف.
شرحت له حالة والدتي، رحمها الله، وطلبت منه مساعدتي في إحالتها إلى مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض نظراً لصعوبة حالتها. لم يطل الحديث، ولم أسمع منه سوى الكلمة التي يحتاجها الإنسان في لحظة ضيق:
«أبشر».
ثم طلب مني رقم هاتف والدي في الرياض.
انتهت المكالمة، وما هي إلا قرابة نصف ساعة حتى اتصل المستشفى بوالدي رحمه الله، وطلب عنوان المنزل، ثم أُرسلت سيارة إسعاف إلى البيت، ونُقلت والدتي مباشرة إلى المستشفى، وبدأت إجراءات الفحص والعلاج والتنويم. مكثت رحمها الله أشهراً تتلقى العلاج والرعاية حتى مضى فيها قضاء الله وقدره.
رحلت والدتي، وبقي ذلك الموقف.
وبقيت أتذكر أن رجلاً كان على بعد آلاف الكيلومترات، وفي وسط التزامات عمل واجتماعات، لم يتعامل مع اتصالي باعتباره طلباً يمكن تأجيله، بل تعامل معه باعتباره أماً مريضة وصديقاً في ضيق. وكانت سرعة استجابته درساً في الوفاء قبل أن تكون مساعدة، وفي الإنسانية قبل أن تكون نفوذاً أو منصباً.
جزاه الله عن والدتي وعني خير الجزاء، وجعل ما قدمه لها في موازين حسناته.
ومن هنا، عندما أرى الأمير عبد العزيز اليوم في ميادين المسؤولية، لا أستغرب ما أراه من حضور وثقة وقدرة على الإدارة. فهذه الصفات لم تبدأ مع المنصب، وإنما عرفنا جذورها منذ أيام الجامعة. كان جاداً وهو طالب، وفياً وهو زميل، قريباً وهو أمير، ثم حمل معه تلك الصفات إلى ميادين المسؤولية العامة.
الأمير عبد العزيز بن سلمان من الرجال الذين تتعب الكلمات في الإحاطة بصفاتهم؛ أمير في مقامه، وإنسان في تواضعه، ورجل دولة في فكره وحنكته، وصاحب وفاء في علاقاته. وقد منحته التجربة الطويلة والمعرفة المتراكمة قدرة مميزة على إدارة الملفات الصعبة، واختيار الرجال، والعمل المتواصل من أجل تحقيق النتائج.
وأنا حين أكتب عنه اليوم، فإنما أكتب شيئاً من الوفاء لعشرة قديمة وذكريات عزيزة، وأشهد بما رأيته وعرفته بنفسي خلال سنوات الدراسة وما بعدها.
حفظ الله صاحب السمو الملكي الأمير عبد العزيز بن سلمان، وأمده بالصحة والعون والتوفيق، وبارك في جهوده، وجزاه عن مواقفه الإنسانية خير الجزاء.
أما أنا، فسيبقى في ذاكرتي دائماً ذلك الزميل الذي شاركناه مقاعد جامعة البترول، والمذاكرة والأنشطة والمرح… وذلك الصديق الذي قلت له يوماً وأنا في أشد الحاجة: أمي مريضة، فقال لي بكل بساطة: «أبشر».
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.