بالأمس في غفوة نوم عابرة، أيقظني صوت رسالة وصلت إلى بريدي الإلكتروني. تناولت جوالي على عجل، وفتحت الرسالة أقرأها بسرعة لأعرف فحواها، ثم وقعت عيني على اسم المرسل؛ فإذا به أحمد بن سمير المقرن، ابن أعز صديق عرفته في حياتي، وأغلى ذكرى رافقتني في أيام الشباب والدراسة والعمل والحياة؛ سمير بن عبدالرحمن المقرن، رحمه الله رحمة واسعة.
في تلك اللحظة، اجتمعت في صدري مشاعر لا يحسن وصفها قلم، ولا تسعها عبارة. غمامة من حزن قديم عادت تظلل الذاكرة، وشيء من الفرح النبيل تسلل إلى القلب؛ فرح لأن ابن ذلك الصديق الوفي يتواصل بهذه الطريقة الجميلة، الحانية، المحبة، وكأن الوفاء امتداد لا ينقطع، وكأن الأرواح الطيبة تورث أبناءها شيئاً من نقاء أصحابها.
لقد مضى زمن طويل وأنا أتردد في أن أكتب حرفاً عن أبي عبدالرحمن، أو أن أنشر صورة من صور تلك الذكريات الجميلة التي جمعتنا في رحاب جامعة البترول والمعادن. لم يكن التردد نسياناً، ولا عجزاً عن الحديث، بل كان حرصاً مني على مشاعر أهله وذويه، وخشية أن أوقظ حزناً استقر في القلوب، أو أفتح نافذة على وجع لم يندمل تماماً. لذلك كتمت كثيراً من الأوراق والرسائل والمواقف في داخلي، وظلت تلك الذكريات ساكنة في القلب منذ رحيله المبكر، وهو في منتصف العمر، حين غادرنا تاركاً خلفه سيرة عطرة وفراغاً لا يملؤه أحد.
كان سمير، رحمه الله، زميل اللحظة وسيد اللحظات. كان حاضراً في قاعة الدراسة، وفي ممرات الجامعة، وفي كل ركن من أركانها. لم تكن علاقتنا مجرد زمالة عابرة جمعتنا بها مقاعد الدراسة، بل كانت صحبة عمر، ورفقة روح، وذاكرة ممتدة من أيام الجامعة إلى ملتقيات الزملاء في الخبر والدمام والظهران، وإلى منزلهم العامر في الدمام، في حياة والده ونسيبه محمد المقرن، الذي كان يعمل مديراً في الخطوط السعودية، رحمهم الله جميعاً.
ومن أجمل ما احتفظت به الذاكرة تلك المرحلة التي جمعتنا أثناء البرنامج التعاوني للجامعة، حين سافرنا مع زملاء كرام إلى مدينة هيوستن في الولايات المتحدة الأمريكية. قضينا هناك سبعة أشهر متدربين في شركة خدمات أرامكو، وسكنا في شقة واحدة، أنا وسمير وزميلنا العزيز صالح الراقي، وكان بقربنا زملاء فضلاء كرام المعشر، لا تزال ذكراهم حاضرة في القلب. كانت أياماً مختلفة، فيها الغربة، وفيها الشباب، وفيها الحلم، وفيها ضحكات لا تزال أصداؤها تعبر الذاكرة كلما مر طيف تلك المرحلة.
ثم عدنا إلى الوطن، وعدنا إلى الجامعة، وجاء يوم التخرج عام 1982م، ذلك اليوم الذي لا ينسى. وفي ختام تلك المرحلة كتبت مقالي الأخير في جريدة أخبار الجامعة بعنوان: «إلى صديق العمر سمير المقرن». كان ذلك المقال وداعاً لمرحلة، ولم أكن أعلم أنه سيصبح بعد سنوات طويلة شاهداً على علاقة لم تذبل، وذكرى لا تزال تنبض في وجداني.
بعد التخرج، تفرقت بنا طرق الحياة، كما هي سنة الأيام. اتجهت أنا إلى الجبيل للعمل في شركة ساسرف، واتجه سمير إلى معهد الإدارة العامة في الدمام. وهناك بدأ أبو عبدالرحمن مسيرته المهنية المشرّفة، متدرجاً في عمله، حتى وصل إلى نيابة إدارة المعهد، ثم ابتعث للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية، فنال درجة الماجستير، قبل أن يعود ليواصل عطاءه، حتى عُيّن مديراً لمعهد الإدارة العامة في الدمام.
كان ذلك المسار امتداداً طبيعياً لشخصيته؛ فقد كان رجلاً نبيلاً في خلقه، جاداً في عمله، صادقاً في صداقته، وفياً في مواقفه، ومضيئاً في حضوره. لم يكن ممن تمر أسماؤهم في الحياة مروراً عابراً، بل كان من أولئك الرجال الذين يتركون أثراً في كل مكان يحلون فيه، وفي كل قلب عرفهم عن قرب.
شغلتنا الحياة بعد ذلك بجمالها ومسؤولياتها؛ أعمالنا، وبيوتنا، وزواجنا، وأولادنا. ومع ذلك لم تنقطع خيوط الود بيننا. كنا نلتقي بين حين وآخر، وإن باعدت بيننا المشاغل، بقي الاتصال حاضراً. كنا نتجاذب أطراف الحديث في كل شأن؛ حديث الأصدقاء الذي لا يحتاج إلى ترتيب، ولا إلى مقدمات، ولا إلى تكلف. كان الحديث معه ممتعاً، صادقاً، واسعاً، يمر من الذكرى إلى الرأي، ومن الطرفة إلى الحكمة، ومن تفاصيل الحياة إلى ما هو أبعد من الحياة.
ثم جاءت المفاجأة المؤلمة، تلك التي لا يستعد لها القلب مهما ظن أنه قوي. وصلني خبر وفاته في حادث سير أليم عام 2012م، فإذا بالزمن يتوقف لحظة، وإذا بالذاكرة تعود دفعة واحدة، وإذا بالوجه الصبوح، والصوت الحاضر، والمواقف الجميلة، كلها تقف أمامي كأنها حدثت بالأمس. ترك رحيله في حياتي فراغاً لم يستطع أحد أن يملأه؛ فبعض الناس حين يغادرون لا يغيبون فقط، بل يأخذون معهم جزءاً من الطمأنينة التي كانت تصاحب وجودهم.
ومع ذلك، فليس لنا أمام قدر الله إلا الرضا والتسليم. فالحياة أمانة، والأعمار بيد الله، والقلوب المؤمنة لا تقول إلا ما يرضي ربها. رحم الله أبا عبدالرحمن، رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدمه في موازين حسناته، وبارك في ذريته وأهله ومحبيه.
واليوم، بعد أن وصلتني رسالة ابنه أحمد، حفظه الله، شعرت أن الذاكرة تطلب حقها، وأن الوفاء لا ينبغي أن يظل حبيس الصدر إلى الأبد. لذلك أنشر هذا المقال، ومعه بعض صور الذكريات، وما هذه إلا بداية لوقفة أخرى، فالحروف لا تسع هذه المدونة، والذكريات أكبر من أن تختصر في مقال واحد. سأحاول أن أشرح صدري بذكرها، وإن كانت مؤلمة أحياناً لأهله وذويه، ولزملاء شهدوا تلك الأيام الجميلة، وشاركوا أبا عبدالرحمن تلك الرفقة النبيلة واللحظات التي لا تنسى.
إن أحباب سمير المقرن كثر، ومن عرفه لا يملك إلا أن يشهد أنه كان إنساناً عظيماً بأخلاقه، مشرفاً بسيرته، كريماً في علاقاته، وفياً لأصدقائه، ومثالاً للرجل الذي يرحل جسداً ويبقى أثراً وذكراً ودعاء.
رحم الله صديق العمر سمير بن عبدالرحمن المقرن، وجمعنا به ووالدينا ومن نحب في جنات النعيم، حيث لا فراق ولا حزن ولا غياب.
( وللحديث عن أبو عبد الرحمن رحمه الله بقية في المدونات القادمة إن شاء الله).









مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.