بين التأسّف والتأفّف بونٌ شاسع ومسافةٌ لا يقطعها إلا من اتّسع قلبه، وسمت نفسه، وعرف أن الاعتذار ليس انكساراً، بل رفعةٌ وتهذيبٌ وشجاعة.
فالتأسّف بابٌ مفتوح لبقاء العلاقات، ونسيمٌ رقيق يهبّ على جراحها فيخفّف ألمها، ويعيد إليها شيئاً من عافيتها، وإن بقي في النفس أثرٌ مما كان. أما التأفّف، فهو حالةٌ من المكابرة الدائمة، وإنكارٌ لحاجة الروح إلى الصفح، وتمردٌ على كلمةٍ يسيرةٍ قد تكون مفتاحاً لقلوبٍ أوصدها الوجع.
والنفس الواسعة قد تُبتلى أحياناً بعلةٍ خفية؛ إذ يتعاظم فيها تأنيبٌ مكتوم، فلا هي رضيت بالتأسّف ليكون دواءً لأزمة الإنسان، ولا هي رحمت ذاتها من صعودٍ وهبوط، وتأرجحٍ مرهق في مناجاة تأفّفها. وكل متأفّف إنما يعصي قلبه قبل عقله، ويتيه في أعاصير الغرور والكبرياء، مستثقلاً قول كلمة: آسف، وهي أهون الكلمات لفظاً، وأعظمها أثراً.
إن التأسّف عن قولٍ جارح، أو فعلٍ موجع، من شيم الكرام؛ فهو يكسر حدّة الموقف، ويمسح شيئاً من غبار الألم عن الصدور. والأسف الصادق يشرح الخاطر، ويغسل القلب بماء القبول والخضوع، خاصةً إذا جاء سريعاً غير مؤجَّل، قبل أن تتسلل أولى نفثات التأفّف إلى قلب من ينتظر الاعتذار.
فالكلمة الجارحة رصاصةٌ قد تصيب أعماق النفس، ولا يخرجها إلا اعتذارٌ عاجلٌ صادق. فإن تُركت في موضعها، أدْمَتْ وأوجعتْ، ثم التأمتْ على أثرٍ لا يمحوه الزمن كله، إلا بصبر المتلقي، أو نسيانه، أو سموّ خلقه ونبل صفاته.
أما المتأفّف الذي يستكثر الاعتذار، فإنه يخسر العلاقة وهو يظن أنه انتصر، ويقسو وهو يتوهم أنه الأقوى، ويقهر الآخرين ظاناً أن في ذلك صراحةً أو غلبة، وما هو إلا مأزومٌ بعقدة الانتصار على القلوب، لا الانتصار لها.
ولا تمحو الأيام كل الجروح الغائرة، ولا تغفر المواقف السلبية كلما تكررت أو طال صمتها؛ فكل امرئٍ ينضح بما في نفسه، ويُعرَف من مقاصده، والله وحده العليم بخفايا القلوب وبواطن النفوس.
فالمتأسّف والمتآلف تُقبل عليهما الدنيا بصفاءٍ ورضا، أما المتأفّف فتُدبر عنه المعاني الجميلة، ويبقى أسير ضيقه، متردداً في أنفاسه، محاصراً بكبرياءٍ لا يمنحه راحة، ولا يورثه محبة.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.