مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / الصعاليك بين الأمس واليوم..

الصعاليك بين الأمس واليوم..

الصعاليك مفردةٌ عرفت طريقها إلى الوجدان العربي منذ العصر الجاهلي، حين أُطلقت على جماعات خرجت عن سلطان القبيلة، أو أُخرجت منها لأسباب شتى؛ فصاروا على هامش النظام الاجتماعي، لا يأوون إلى عصبية تحميهم، ولا إلى قبيلة تمنحهم المكانة والستر.

غير أن صورة الصعلوك في الذاكرة العربية لم تكن على لونٍ واحد؛ ففيها من التناقض ما يثير التأمل. فقد عُرف بعضهم بالشجاعة، والفصاحة، ونظم الشعر، ومقارعة الفرسان، كما عُرفوا بالغارات والسلب، يأخذون من أهل اليسار، ثم يفيض شيء مما أخذوه على الفقراء والمحتاجين. ومن هنا اقتربت صورتهم، في بعض ملامحها، من صورة “روبن هود” في المخيال الغربي؛ ذلك الخارج على القانون الذي يأخذ من الأغنياء، ويمنح الفقراء، وإن بقي الفارق بين الأسطورة والحقيقة قائماً.

ومع تعاقب الأزمنة لم يغب مفهوم الصعلوك، لكنه تبدّل في شكله ولباسه. فلكل عصر صعاليكه، ولكل بيئة نماذجها. ففي زماننا لم يعد الصعلوك بالضرورة منبوذاً في الصحراء، ولا مطارَداً في الجبال، بل قد تراه في المجالس، وبين الناس، متقدماً بغير حق، متصدراً بلا قدر، يرفع صوته حيث يجب الصمت، ويتكلم بالفصاحة في غير موضعها، ويتظاهر بالشجاعة وهي في حقيقتها تعدٍّ على حقوق الآخرين، وسلبٌ معنوي لمكانتهم، ومزاحمةٌ لمن هم أولى منه بالتقدير.

وصعلوك هذا العصر لا يشبه صعلوك الجاهلية في شهامةٍ أو مروءة، ولا يشبه روبن هود في عدالةٍ أو إنفاق. فهو لا يسلب المال لينصر فقيراً، ولا يغامر ليقيم ميزاناً مائلاً، بل يجيد استعارة الأضواء، واقتراض المكانة، وجمع الناس حول مناسبات ظاهرها التكريم، وباطنها تلميع صعلوكٍ لصعلوك يشبهه في الطبع والطينة. يطلب الوجاهة من جيوب الآخرين، ويصنع لنفسه مقاماً من عواطف الناس وحسن ظنهم.

وكما أن في البشر صعاليك، ففي الأمم والدول صعاليك أيضاً. فهناك دولٌ تخرج على القانون، وتخاصم محيطها، وتعيش في أزمة دائمة مع جيرانها، وربما مع من تزعم أنهم حلفاؤها. دولٌ يحكمها صعاليك السياسة، لا يعرفون الاستقرار إلا خصومة، ولا الحضور إلا صخباً، ولا القوة إلا استفزازاً. تراهم منبوذين حيناً، محاصرين حيناً، مطرودين من موائد الشرعية حيناً آخر، ومع ذلك يتصرفون وكأنهم فوق البشر، وكأن لهم اصطفاءً خاصاً يبيح لهم ما لا يباح لغيرهم.

إن الصعلكة حين تكون في الفرد مرضٌ في النفس، وحين تكون في الدولة تصبح خطراً على الأرض والناس. فالصعلوك الفرد يفسد المجلس، ويشوّه الذوق، ويسرق المكانة. أما صعلوك الدولة فيفسد الجوار، ويهدد الأمن، ويجعل من الشعوب وقوداً لأوهامه، ومن التاريخ مسرحاً لغروره.

ومهما طال الزمن، فإن للصعاليك نهاية تليق بأفعالهم. فقد علمتنا الأيام أن من يبني حضوره على السلب، والتعدي، والغرور، لا تقوم له قائمة، ولا يبقى له أثر إلا العبرة. فالله يمهل ولا يهمل، ويكشف للناس معادن الرجال والدول، ويميز الخبيث من الطيب، والحق من الزيف, وهو الحاكم العدل، العالم بما تخفي النفوس، وبما تصنع الأيدي، وبما ينتهي إليه أمر الظالمين.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

حين تُقاس الإنسانية

حين يصل الطلاق إلى مرحلةٍ حرجة، قد يراه الزوجان مخرجًا لا بدّ منه، رغم مرارته …