في رحلتنا مع الحياة، نحاول دائمًا أن ننتقي أصدق العلاقات، وأنقى المودّة، وأجمل صور العِشرة المتبادلة؛ من قريبٍ أو صاحبٍ أو رفيق طريق. غير أنّنا قد نُضطر أحيانًا إلى قبول علاقات لا نرتاح لها، ولا ترتاح لنا، بحكم القرب، أو المجاملة، أو حتمية المصالح، ما دامت لا تبلغ حدّ الضرر، ولا تمسّ كرامة النفس.
نحاول أن نكون كالطير؛ لا يقع إلا على ما يحب ويألف، لا لأن التشابه بين الأرواح يجب أن يكون كاملًا، بل لأن العلاقة الصالحة يكفيها احترام متبادل، وودّ مبني على حسن النية، ومساحة من القبول تحفظ للناس اختلافهم. فالاختلاف بين النفوس أمر حاضر، وصفاء القلوب ليس حكمًا مطلقًا على البشر، بل حالة تتشكل من التربية، وتجارب الحياة، وما مرّ بنا من أزمات تركت في داخلنا حكايات مضطربة بين السماح والنفور، وبين ما نقبله وما نرفضه من سلوكيات لا نملك دائمًا السيطرة عليها.
وكما قيل: «الطيور على أشكالها تقع»؛ فإن كانت النفس ضيّقة، وقعت على ما يناسب ضيقها، سلبًا أو إيجابًا. وإن كانت سهلة منسابة، تقبّلت الظروف كما تأتي، لا تبحث إلا عن العبور بسلام. أما إن مات في القلب شعور الكرامة، فقد يقبل الإهانة بابتسامة، ويمضي في الحياة كمن لا يقول نعم ولا لا، يدير خده الأيمن ثم الأيسر لكل من شاء أن يجرّبه أو يستضعفه.
لذلك، حاول أن تصنع من نفسك طيرًا يعرف أين يحط، ومع من يطير، ومتى يبتعد. ليس شرطًا أن تصاحب من يشبهك تمامًا، بل من تستطيع أن تحلّق معه بحرية، تفترق عنه لمصلحة أو ظرف، ثم تعود إليه بلا حقد ولا حسابات موجعة.
لكن، إن بلغ الأمر حدود الكرامة، أو صار القرب مكلفًا للنفس والعقل والمكانة، فلا تكن طيرًا ضعيف الجناح، بل كن أسدًا يعرف عرينه. فالأسود لا تقع على أشباهها كما تقع الطيور؛ لكل أسد عرينه، ولكل أسد مملكته، ولكل نفس عزيزة حدود لا تسمح لأحد أن يتجاوزها.
“كن طيرًا في الودّ، حرًّا في اختيارك،
وكن أسدًا حين تُختبر كرامتك”
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.