مواضيع منوعة
الرئيسية / مقالات / آبائي آل عثمان.. من ساحة العارض إلى دروب الرزق

آبائي آل عثمان.. من ساحة العارض إلى دروب الرزق

في زمنٍ قديمٍ رُوي لنا، لم تكن ساحة العارض في مدخل قرية سِنان من ديار حوالة مجرّد ساحةٍ للاستقبال والترحيب بمن يفِد إليها، بل كانت ميدانًا تُقرع فيه الطبول، وتُؤدّى فيه عرضة الحرب، وتعلو فيه صيحات الدفاع عن الأرض والعِرض. هناك جلجلت أصوات رجالها ونسائها، وتناقل صداها بين أربعةٍ وعشرين حصنًا بناها أهلها منذ القِدم؛ لتكون درعًا ومرصدًا في وجه كل متربّص، في زمنٍ لم يكن فيه حكمٌ مستقر، ولا سلطةٌ عادلة تكفّ عن الناس غوائل الأيام.

حول تلك الساحة عاش أجدادي، مع أبناء عمومتهم وأهلهم وجماعتهم، أجيالًا متعاقبة حملت على أكتافها قسوة الحياة، وعانت من اضطراب المنطقة، وموجات الجفاف، وانتشار الأوبئة، والصراعات التي صاحبت نفوذ الدولة العثمانية آنذاك. وكانت بيوت آل سهيل القديمة المتلاصقة في ديار حوالة، تقوم في حِمى تلك الساحة، شاهدةً على تاريخٍ من الصبر والكرم والنجدة.

ومن فروع ذلك النسب، ومن أصل الجد الواحد، كان بيت آل عثمان وبيت آل رديف، وكانت بيوتهم في مقدمة قرية سنان للقادم إليها؛ بيوتًا بسيطة في ظاهرها، عامرةً في معناها، يعيش أهلها حياة الكدّ والصبر، ويفتحون أبوابهم بالكرم والمروءة.

وكان سيد بيت آل عثمان آنذاك هو العم عبد الله بن عثمان بن مساعد آل عثمان رحمة الله عليه وغفرانه، رجل الكرم والحكمة والمهابة في قومه، والأكبر بين إخوته. وقد ورث من شجاعة أجداده وحنكتهم نصيبًا وافرًا، فهم شيوخ حوالة السابقون من آل سهيل، رجالٌ عُرفوا بالحضور والرأي والمقام.

وفي العقد الثاني من القرن العشرين، بدأت ملامح الحياة تتبدل ببطءٍ حذر، مع انحلال الدولة العثمانية وخفوت نفوذ الأشراف في منطقة الحجاز، غير أن قسوة الجفاف، وانتشار الأمراض القاتلة، ظلّا يؤرقان أهل الجزيرة العربية، ومنها ديار حوالة. ثم جاء العقد الثالث، وحلّ معه عهدٌ جديد بتوحيد المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز، طيّب الله ثراه، ثم تلاه اكتشاف البترول؛ فهبت في أرجاء البلاد رياح الأمل، وبشائر الخير والرزق لكل من أراد أن يعمل تحت راية ابن سعود.

في تلك المرحلة، كان المغفور له بإذن الله العم عبد الله بن عثمان يدرك أنه رجل المرحلة الجديدة، وأن القرار في هذا البيت الكبير قد آل إليه بعد رحيل آبائه. عاش مع إخوته زمن التحول القاسي، وفقد خلاله أخويه سعيد وعزيز رحمة الله عليهما، وهما في عزّ شبابهما، بسبب ما أحاط بتلك الأيام من ظروفٍ صعبة وقاهرة. ولم يبقَ معه من إخوته إلا سعد الله ووالدي أحمد، ومعهم أبناء أخيه سعيد: عثمان وعبد الله رحمهم الله جميعاً ، وابن أخيه سعد الله بن عزيز حفظه الله.

كانت الحياة شديدة، والظروف ضيقة، غير أن أحلام عبد الله بن عثمان كانت أوسع من حدود المعاناة. كان يطمح إلى أن يجدّد حياة من يرعاهم، وأن يفتح لهم بابًا نحو رزقٍ أرحب ومستقبلٍ أكرم. وبصعوبةٍ بالغة، رضي بما ابتغاه أخواه سعد الله وأحمد، وهما في مقتبل العمر، من السفر في طلب الرزق، ليكونا عونًا لأخيهما عبد الله وسندًا للبيت الكبير.

ولحق بهما فيما بعد ابنهم سعد الله بن عزيز، بينما بقي عثمان وعبد الله ابنا سعيد بن عثمان حول عمهما، سندًا وحمايةً لسيد البيت الأكبر، ووفاءً لأهلهم وديارهم.

هكذا بدأت رحلة التحول من حمى الساحة والحصون، إلى دروب العمل والرزق، وبقيت الحكاية في وجدان الأبناء والأحفاد شاهدًا على رجالٍ حملوا البيت والاسم، وصبروا على قسوة الزمان، وفتحوا لمن بعدهم طريق الحياة.

ومن الوفاء لهم أن نختم هذه السيرة بالدعاء لمن رحل منهم إلى جوار ربه؛ أن يتغمدهم الله بواسع رحمته، ويسكنهم فسيح جناته، ويجزيهم عن صبرهم وكفاحهم وطيب أثرهم خير الجزاء، وأن يجعل ما قدّموه لأهلهم وديارهم في موازين حسناتهم. كما نسأل الله لمن بقي من أهلنا بيننا أن يمدّهم بالصحة والعافية، ويكتب لهم حياةً كريمةً مطمئنة، عامرةً بالستر والرضا، محفوفةً بالمحبة والبرّ والوفاء، وأن يجمعنا بهم دائمًا على الخير وصلة الرحم، ويحفظ هذا الإرث الطيب في قلوب الأبناء والأحفاد.

المفغور لهم بإذن الله عبد الله وسعد الله وأحمد أبناء عثمان بن مساعد آل عثمان رحمهم الله جميعاً
صورة تخيلية لإفراد من عائلة آل عثمان : الآباء جلوساً :عبد الله وسعد الله وأحمد رحمهم الله، والأبناء وقوفاً سعد الله بن عزيز بن عثمان وعثمان بن سعيد بن عثمان رحمه الله وعثمان بن سعد الله بن عثمان وعثمان بن أحمد بن عثمان
عميد العائلة حفظه الله سعد الله بن عزيز بن عثمان ، وعبد الله بن سعيد بن عثمان رحمه الله
عثمان بن أحمد بن عثمان أمام البيت الجدي في دار سنان
وادي ودار سنان في بلاد حوالة
جبل أثرب الشمخ في بلاد حوالة

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

ليه الخليج مثل الشجر

في خضمّ استقرار الأحوال، يلوح بين حينٍ وآخر صوتٌ ناقد، قد تغلب عليه نزعة فردية، …