مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / تبلّد الإحساس .. وموت الضمير

تبلّد الإحساس .. وموت الضمير

ذكر في لسان العرب: بليد الحس ميت، وهي عبارة تختصر حالاً إنسانيًّا يتفاقم في حياتنا المعاصرة. فقد أدّت المتغيرات الدينية والدنيوية إلى انتشار تبلّد الإحساس في قطاعات واسعة من حياة الناس؛ إذ جعل حب الدنيا وطغيان المادة الإنسان أسيرًا للمكاسب العاجلة على حساب الفضائل. فالظلم – مثلاً – ثمرة مباشرة لانعدام الإحساس، إذ كيف يظلم من يستشعر معاناة من حوله؟ وكذلك المعاصي، حين تتحوّل إلى شهوات متكرّرة مألوفة، تُطفئ جذوة الإيمان التي فُطر عليها الإنسان، ونهى عنها الله ورسوله ﷺ.

أخطر ما يظهر في هذا الباب هو الفتور العاطفي تجاه الأقربين. فكثيرًا ما نصف قريبًا بأنه “عديم المشاعر”، دون أن ندرك أنه ربما يعاني من علّة نفسية أو صدمة أثّرت في حواسّه. 

هذا الفتور يتدرّج: قد يكون خفيفًا وسريع الزوال، وقد يظهر فجأة بوضوح في المواقف. نرى بعضهم يعيش التزامًا دينيًّا وأسريًّا، لكنه يفتقد للتفاعل العاطفي مع محيطه. وللمفارقة، فإن البعيدين عنهم قد يجدون فيهم سكينة وهدوءًا، بينما القريب يعاني من بطء ردود الفعل وضعف التقدير. ويُضاف إلى ذلك أن النسيان عندهم مظهر من مظاهر التبلّد، إذ يضعف التركيز، فتضيع معه كثير من الإيجابيات والإنتاجية في الحياة.

ومواجهة هذه الظاهرة تبدأ بتعزيز الإيمان والرقابة الداخلية، والعودة إلى القرآن والذكر والصلاة التي تُحيي الضمائر، كما يقوم جزء كبير من العلاج على التربية العاطفية في الأسرة، وتعليم الأبناء التعبير عن مشاعرهم بصدق وغرس قيم التعاطف والتقدير. 

ولا بد من الالتفات إلى العلاج النفسي والتأهيل لمن يعانون من صدمات أو اضطرابات نفسية تُضعف تفاعلهم مع محيطهم، إضافة إلى التدرّب على الإصغاء والتواصل وتقوية مهارات الحوار والانتباه للآخرين، فهي مفاتيح لإعادة دفء العلاقات.

وبذلك يمكن مواجهة “تبلّد الإحساس” بالجمع بين تزكية الروح، ورعاية النفس، وبناء الأسرة، ومساندة المجتمع؛ فحياة الإنسان لا تُقاس بسنواته، بل بما يفيض به قلبه من شعور صادق وإحساس نبيل.

“مــاتَ الـضَّمِيرُ تَـبلَّدَ الإحـساسُ

واسـتـنزفت أعـمـارنَا الأَنفاسُ

هـل غـادرَ الإنـسانُ مـنَّا يا تُرى

أم سـادَ فـي أخـلاقنَا الإفـلاسُ؟”

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الرفيق قبل الطريق

كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”. وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو …