مواضيع منوعة
الرئيسية / مختصر / عذراً أيها البقر…

عذراً أيها البقر…

البقر من أهدأ المخلوقات وألينها طبعاً. يعيش ورأسه إلى الأرض، لا تكبراً ولا ضعفاً، وإنما لأن رزقه تحت قدميه. يُساق إلى مرعاه فيمضي بهدوء، ويجتمع مع غيره على اختلاف ألوانه، فلا يعرف لوناً يفضّل لوناً، ولا سلالةً تتعالى على أخرى.

وغالباً ما تعيش الإناث في جماعاتها، بينما يتصدر القطيع ثور واحد، وتمضي دورة الحياة كما أرادها الله؛ تتكاثر، وترعى صغارها، وتمنح من حليبها غذاءً لها وللإنسان، وتفيض بالخير على من يرعاها.

وحين تجتمع الأبقار، تتقابل رؤوسها في ألفة وهي منشغلة بالرعي، لا يزعجها إلا الجوع، ولا يشغلها إلا طلب الرزق. تعيش في بيئتها بما فيها من طين وروث، ثم تستريح مطمئنة، وكأن الطمأنينة ليست في المكان، بل في طبيعة النفس.

والبقر حيوان أليف، يألف من يحسن إليه، وينفر ممن يقسو عليه. لا يعتدي على الإنسان، ولا يفترسه، بل يهبه لحماً يأكله، وحليباً يشربه، وجلوداً ينتفع بها. ومع ذلك كله، لم يشفع له عطاؤه أن يُذبح ويُسلخ، ثم يزيد البشر على ذلك بأن يجعلوا من “البقرة” و”الثور” ألفاظاً للتعيير والسخرية.

عذراً أيها البقر… لعل المشكلة لم تكن فيكم، بل فينا نحن البشر. عرفناكم على موائد الستيك، وفي أطباق القشدة والزبدة، ولم نتوقف كثيراً لنتأمل هدوءكم، وألفتكم، وقلة خصوماتكم، واكتفاءكم بما قسم الله لكم.

لقد منحتم الإنسان اللحم والحليب والجلد، ولم تمنحوه الأذى. أما نحن، فكم من إنسان يجرح إنساناً بلسانه قبل يده، ثم إذا أراد أن يعيّره شبّهه بكم! وربما كان في طباعكم من الوداعة والرضا ما نفتقده نحن.

فسبحان من جعل بعض الحيوانات أرحم في طباعها من بعض البشر.

فلو أخذ الإنسان من أخلاق البقر شيئاً من السكينة، وترك شيئاً من غروره، لربما أصبحت الحياة أكثر رحمة… وأقل ضجيجاً.

عذراً أيتها البقرة… وعذراً أيها الثور.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

كرة القدم .. معشوقة العالم

شغف كرة القدم ظاهرة عالمية نادرة، جمعت شعوب الأرض على حب معشوقة واحدة اسمها: الكرة …