مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / إصلاح أم هدنة مؤقتة

إصلاح أم هدنة مؤقتة

مجالس الصلح كانت تُدار يومًا بالحكمة والموعظة الحسنة ومن مبدأ “ الصلح خير”، غير أنّ بعضَها اليوم صار ساحةً لتفجير الأزمات بدل إخمادها. فحضور المصلحين لا يعني بالضرورة حلّ الإشكالات؛ إذ إنّ من حضر بلا حكمةٍ أفسد مشروع المصالحة، ومن حضر بلا بصيرةٍ أرضى طرفًا وأغضب آخر. والمصلح الحقيقي هو من يُدرك أنّ المسؤولية لا تقوم على النية الحسنة وحدها، بل على وعيٍ ناضجٍ ومنطقٍ متماسكٍ يضمن العدل والاتزان.

القلوب الحيّة لا تأنس بالقلوب الحائرة، والمشاعر الجامدة تبعث روحًا ميتةً في المجلس، فلا وعي بالعواقب ولا تقديرٌ لما تخلّفه الفرقة من شرخٍ في النسيج الاجتماعي.

ليس كلّ من وعظ أصلح، ولا كلّ من غلُظ في القول أفْلح؛ فالإصلاح يحتاج إلى صبرٍ وتروٍ، وهما ركنان لا غنى عنهما في ميزان الحُكم بين المختلفين. فالصبر يمنح المصلح سعة الأفق، والتروي يصون لسانه عن التسرّع ومجاراة العاطفة. والمصلح الواعي يدرك أنّ تجاوزه للحدود أو الأعراف يستوجب الاعتذار، وأنّ عليه أن يصرّح بمقصده: “إنّ الأمور لا تُدار بالمساس بشرعية الحضور ولا بخرق حرمة المجلس.”

ولا يصحّ أن ينفرد المصلح بأحد الطرفين إلا بوجود شهودٍ أمناء، يحفظون السرّ ويكتمون ما يُثير النشاز. فإن تجاوز مقام المجلس، ضلّ الطريق وضاعت هيبته، وغالبًا ما يُحمّل غيره اللوم على نتائج قراراته المرتجلة.

كثيرٌ من المصلحين لا يُحسنون حبكة النهاية ولا يُتابعون ضمان النتائج، فيغترّون باتفاقٍ هشٍّ يظنّونه نجاحًا، بينما هو هدنةٌ مؤقتة تعود فتشتعل نارها من جديد.. لذا، فالأجدر أن تُحال الخلافات إلى المسار الشرعي والقانوني، فهو الكفيل بضبط الحقوق ومعاقبة المسيء وإنصاف المظلوم، ولو كانت القضية صغيرة.

إنّ القانون اليوم هو المصلح الأعدل، والشرع هو الحَكَم الأقوم. أما المصلح الذي يتكئ على حسن النية فقط، فإنّ مغفرته تحوم حوله ما لم يترك وراءه غبارًا يُعمي الأبصار. فكم من إصلاحٍ قيل إنه نجح، ثم تبيّن بعد حينٍ أنّه مجرّد غبارٍ تناثر ثم اختفى.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الرفيق قبل الطريق

كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”. وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو …