مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / الحزنوي .. في الجبيل

الحزنوي .. في الجبيل

أسعدني اليوم الزميل والأخ الغالي محمد بن علي الحزنوي – حفظه الله – حين زارني هذه الظهيرة في جلسة قصيرة تمنّيت لو امتدّت طويلاً، غير أن ظروفه حالت دون ذلك. كانت لحظاتٍ عابرة في ظاهرها، لكنها حملت في طيّاتها عبقَ الذكريات، ودفءَ الصحبة التي لا تنسى.

مع أبي فيصل جمعتنا جامعة البترول والمعادن، أربعُ سنواتٍ من العُمر (١٩٧٨ إلى ١٩٨٢م)، سكنّا فيها غرفةً واحدة، وملأنا أروقة الجامعة بأحلامنا وهمّتنا وشبابنا. تقاسمنا فيها عناء الدراسة، وتقلّبنا بين حزنٍ على درجةٍ لم تُرضِ طموحنا، وفرحٍ بنجاحٍ يُقرّبنا من الحلم خطوةً بعد أخرى. كنا نواسي بعضنا في الهبوط، ونشدّ أزر بعضنا في صعودٍ جديد.

هناك، في جبل الظهران، كانت خطواتنا تسابق الأمل كل صباح، وحين نعود منه إلى غرفتِنا المتواضعة، كانت تحتوينا أحزاننا الصغيرة وأفراحنا الكبيرة. سنوات الجامعة لم تكن مجرّد علمٍ وشهادات، بل كانت مصنعًا للوفاء، وغرسًا للأخوة، وبذورًا لذكرياتٍ تبقى ندية ما حيينا.

وبعد أن تفرقت بنا الدروب، مضى أبو فيصل إلى الخرج في المصانع الحربية، وسلكتُ أنا طريقي إلى الجبيل حيث البتروكيميائيات. وبين الحربية والبترول، ظلّت القلوب تهفو والذكريات تُنادي. لم نلتقِ كثيرًا، ولكنّ الشوق ظلّ بيننا حيًّا لا يشيخ، يزهر كلما مرت بخاطرنا تلك الأيام الجميلة.

واليوم، بعد رحلة عملٍ طويلةٍ شقينا فيها الطريق بثباتٍ وعزمٍ، نحمد الله أننا نحصد ثمارها في نجاح أولادنا الذين غرسنا فيهم قيمة الجدّ والطموح. تقاعدت الأجساد لكن الأرواح بقيت شامخة بما أنجزت، فها نحن ننظر إلى أولادنا بفخرٍ وهم يواصلون المسيرة في ميادين التخصصات المتميزة، يرفعون الراية حيث كنّا نحملها ذات يوم، وكأننا نعيش من جديد فيهم. فمن تخرّج من جامعة البترول والمعادن لا يرضى لذريته إلا بذات الهمة والعزيمة، ولا يختار لهم إلا طريق التميّز الذي خبره وعرف قيمته.

لقد كانت سعادتي بلقاء أبي فيصل اليوم تفوق الوصف، ففيه امتزج الحنين بالمحبة، واستيقظت في الذاكرة لحظاتٌ لا تنسى. لقاءٌ أعاد للنفس شبابها، وللروح ألقها، وذكّرنا أن الصداقة الصادقة لا تُقاس بطول اللقاء، بل بعمق الودّ وصفاء النية.

حفظ الله الجميع، ودامت المودّة التي لا يبهت لونها مهما باعدت بيننا الأيام.

أيام الشباب .. في جامعة البترول والمعادن
على شاطئ نصف القمر في الخبر

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الرفيق قبل الطريق

كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”. وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو …