مواضيع منوعة
الرئيسية / منوعات / الأخ الأكبر

الأخ الأكبر

منذ بدء الخليقة وهبوط آدم وحواء من السماء إلى الأرض، تولدت طبائع للإنسان نمت وسمت على هذا الكوكب الصغير، نشأت ظواهر بدائية وسادت مع الأزمان، فنشب خلاف بين قابيل الأخ الأكبر سناً وهابيل الأصغر ،تطور وحصلت أول جريمة قتل، وتطبع الناس بكل أنواع السلوكيات الأولية، منها الغيرة وضدها الإطمئنان والحسد وضده الغبطة، وبشكل شامل عرف الإنسان ما هو الخير وماهو  الشر .

وكذلك في التكوينات الأيدولوجية للشعوب،يوجد مفهموم الأخ الأكبر، وهو المفهوم الذي تطرق له الكاتب الروائي جورج أورويل، ولكن من وجهة نظر سياسية، ولن أتطرق إليه لأنه يختلف كلياً عن ما أود الإشارة إليه في هذا المقال.

في محيط العلاقات الأسرية، دائما يُذكر الأب والأم كجناحين لتكوين الأسرة المكونة في رتبها الأولى من الأولاد والبنات، و بالقسمة التي ارتضاها لهما بإذنه سبحانه، ومعظم الحِكم والنصُح تدور فقط حول الوالدين في كثير من سرد النصائح والأقوال، فبحكم أنهم المسيرون لهذه الشركة فإنهم في مفهوم الأسرة هما: منصب الرئيس التنفيذي للأب، ونائب الرئيس الأعلى للأم، وجاء مفهوم الأخ الأكبر الذكوري كمكلف أو ممثل بالإنابة.

عادة ما يتحمل الأخ الأكبر مسؤولية ملأ الفراغ في حال فقدان الأب الوجودي لأي سبب، موت أو سفر أو مرض عضال، يكون له الحق الغير مطلق لتحمل الولاية الشرعية، ويتطلب ذلك قدرته وتحمله للأعباء اللازمة، وتصويت أفراد الأسرة له بهذا التخويل مطلوب. تختلف الأسر عامة في هذا التوجه حسب ظروف أفرادها وقدرة أفرادها على اختيار الأنسب لتولي هذه المهمة.

في الغالب يحضى الأخ الأكبر  بتنصيب الأب له ولياً للعهد في حياته، فالأب بحكم رئاسته التنفيذية للأسرة، يجد في الولد الأكبر قربه وضالته، حيث أنه البكر الذكوري لتولي بعض المهام في قوته وفي حياته، ويميل له بإفشاء أسراره و وصياه العالية والمهمة، وهذا ليس قاعدة ولكن عرفاً،  وإذا وجد الأب أن هناك من أولاده الباقين من هو قادر، وهبه هذه المسؤولية في حياته وله الحق في ذلك، أما بعد ممات الأب، فالأمر شورى بينهم والأخ الأكبر له ما له وما عليه في تقسيم الإرث، ومهما عمل الأب في حياته في أمور غير موثقة فينطبق عليها مفهوم القاعدة الشرعية لا وصية لوارث.

بعد وفاة الأب وهنا بيت القصيد في هذا المقام، كيف يكون التعامل مع الأخ الأكبر من قبل باقي أفراد الأسرة؟، وماهو الدور المتوقع منه؟، والسائد والمثالي أن يأخذ الصلاحيات الشرعية المنوطة به بكل امانة وإحترام وبدون أنانية ولا زيف، وأن يكون السند بالدعم المستطاع وبالتوجيه الحكيم، لا ضلالة ولا تضليل، بالحسنى وبالتقدير الموزون فيما يخص شؤون أفراد الأسرة بكل سواسية وحياد.

كثيراً من مشاكل الأخوة هي نتيجة التباين في العيش الفردي بينهم، من حيث مستوى الدخل والمكانة الإجتماعية، فهذا يغري بقية الأبناء على ايجاد ثورة على الأخ الأكبر الذي ربما لم يحصل على نصيب من طيب العيش مثل أحد من الأخوة، أو من باقي الأسرة، وقد يكون العكس أن يكون الأخ الأكبر أفضل، فيدخل الطمع والابتزاز كعاملين مؤثرين في استمرار الترابط بين أفراد الأسرة.

ونظراً لهذه الإختلافات، قد تنشب خلافات وهذا طبيعي، ولكن بهدؤ وتعقل وتنشيط للحلول الممكنة. في كثير من الأحيان، وفي حال فقد الأب،تبقى الأم هي المسيطرة على الأمور، فالأم لها قدرة ربانية بتحمل دور الأب والأم معاً، وهذا ما لا يستطيع الأب أخذه في حال فقدان الأم لاي سبب، وعندما تكون الأم ضعيفة الشخصية، فهذا يؤثر على تماسك الأسرة، وعادة ما تحتمي بالأصغر سناً أو من بقي معها في منزلها بعد إنتقال باقي الأولاد والبنات لزواج أو إرتباط بمهنة.

كل ذلك يربك دور الأخ الأكبر، وتتلاشى قوة تاثيره في محيط الأسرة بعد بروز هذه الإشكالات، وكثير من هذه الحالات تحدث نتيجة عدم التوافق على دور الأخ الأكبر أو من ينيبه، وقد يحدث ما حدث في بدء الخليقة. 

من المعيب على الإنسانية أن يتكرر ما حدث بين قابيل وهابيل، فما ذكره الله في هذه القصة وقصة يوسف وإخوانه هي للعبرة والتذكر .. فهل من متذكر ومتعظ.؟١١

اللهم لاتجعل الدنيا أكبر همنا, وأصلح وألف بين قلوبنا.

اللهم أصلحنا وأصلح ذريتنا لما فيه الصلاح والخير، وأهدنا وأهدهم للتوافق والتسامح والإحترام …  والله المستعان.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الإنسان والتوازن الطبيعي

كتب : علي العثمان ينفرد الإنسان عن سائر الكائنات بحرية الاختيار، فهو ليس مجرد مخلوق …