في هذه الأيام لا صوت في الخليج العربي يعلو فوق أصوات الحرب .. منذ إنتقلت من الرياض مهد صباي وشبابي إلى منطقة الميلاد المنطقة الشرقية، وكل عقد من الزمان فيه حدث يتعلق بالخليج.
فبعد عامين من التحاقي بجامعة البترول والمعادن – أنذاك- في الظهران، قامت الثورة في ايران سنة ١٩٧٩م على الضفة الشرقية من الخليج، وفي السنة التالية نشبت حرب العراق مع ايران سنة ١٩٨٠م.
تخرجت وتعينت في الجبيل في عام ١٩٨٢م، وبعد ستة سنين إنتهت الحرب بلا إنتصار لأحدهما.
وأتت المفاجاءة مع حرب الخليج الثانية والتي غزا فيها صدام حسين الكويت، هذه الحرب كانت قريبة من مقر سكني، فالجبيل تبعد ٣٥٠ كم من وسط الكويت، ومن الجبيل إلى الخفجي حوالي ٢٢٦ كم.
في صبيحة الخميس، يوم غزو الكويت، الثاني من أغسطس ١٩٩٠م، تلقيت إتصالاً هاتفياً من قريب لي (محمد بن جران الغامدي) الذي كان يعمل في قوة الدفاع الجوي بالجبيل، يخبرني بنبأ أن صدّام حسين دخل الكويت، فتحت التلفزيون الذي كان يعمل على تحريك (الإريال الهوائي)، كان التلفزيون السعودي يواصل برامجه الإعتيادية، حوّلت القناة إلى تلفزيون الكويت، كانت الشاشة تبث بيانات ونداءات إلى أهل الكويت بالإسراع بالتبرع بالدم، ويناشدون العرب بالتدخل، ولكن ذلك لم يستمر سوى ساعتين، حتى تمكن الجيش العراقي من التحكم في البث، وأصبح البث بمذيعين يلبسون الدشداشة الكويتية ويتناوبون في بث البيانات العراقية وبيانات الحكومة المؤقتة للكويت كما زعموا، قمت بتسجيل البث على شرايط الفيديو والتي عرضتها لاحقاً على قناتي في اليوتيوب.
في الليالي التي تلت يوم الغزو، كانت سماء الجبيل مزدحمة بالطائرات الأمريكية التي كانت تهبط في مطار قاعدة القوات البحرية بالجبيل،تعلن عن بداية عاصفة الصحراء، وكنا ونحن نذهب إلى العمل نشاهد سيارات (الهامفي) تخترق شوارع الجبيل متجة شمالاً إلى مواقعها التي إتخذتها كقوات مساندة للجيش السعودي.
أصبح العسكر السعوديون والأمريكان في المدينة يُشَاهَدون بشكل واضح في الأسواق لشراء اللوازم الغذائية، كانوا يدفعون بالنقد لوكلاء سيارات الدفع الرباعي، كانت حركة شراء غير عادية، ولكن ولله الحمد الخير والأرزاق لم تنقطع، وكانت كل جهود الدولة أعزها الله في إتجاه توفير كل ما يحتاج المواطن والمقيم وقوات التحالف بدون إنقطاع، ولم نشعر بأي نقص في المواد الغذائية ومتطلبات الناس الحياتية.
إستفاد الكثير من المواطنين من وجود هذا العدد الكبير من جنود القوات الأجنبية، حتى ان بعض المواطنين حولوا سياراتهم العائلية الحجم إلى الإيجار لقوات التحالف، ونشر الشباب السعودي على خط أبو حدرية أكشاكاً متنقلة لبيع الهمبرغر والشاي والقهوة، وأعرف كثير منهم إستفادوا مالياً، وكانت القوات الأمريكية سخية وكريمة وكان الدفع بالدولار بأضعاف سعر السلعة.
بسبب هاجس الكيماوي، أوجدت الهيئة الملكية والشركات العاملة في الجبيل كل وسائل السلامة اللازمة وتعليمات إرشادية في المصانع وخارجها في المساكن، ووزعت خطط الطوارئ للعوائل وللموظفين السعوديون والمقيمين، وتم ترحيل العوائل الأجنبية على نفقة الشركات، وفعّلت الهيئة الملكية خط الإخلاء للخروج من المدينة في حال إصابة المنازل أو المصانع، وأقيمت مراكز إيواء على مساحات واسعة خارج المدينة على طريق أبو حدرية، ومعسكر في الرياض للإيواء، كل هذا كان بشكل منظم يفوق الوصف.
من أصعب أيامي في تلك الفترة، كانت أثناء دخول القوات العراقية الخفجي، كانت ليلة عصيبة وكنت أتابع ذلك على شاشة تلفزيون (السي إن إن) التي كانت تبث من البحرين، وأتذكر ان قريباً لي (علي بن صالح الغامدي رحمه الله) إتصل بي في تلك الليلة ليطمئن علينا، ويخبرني أن أتصل به في حال حصل مكروه وأن نتقابل مع عائلته عند محطة وقود حددها لي للذهاب براً إلى الرياض.
ومن الأيام الصعبة، عندما حرق صدّام حسين آبار نفط الكويت بعد انسحابه، تمددت دواخن الحرائق أعلى السماء ووصل إلى سماء الجبيل، وأصبح نهارنا أسوداً لمدة ثلاثة أسابيع من تاثير الحرائق.
الحرب استمرت حتى مارس ١٩٩١م، وخلال تلك الفترة لم أغادر مع عائلتي وأطفالي ( أحمد ومساعد) الجبيل الصناعية، وبقينا لثقتنا أولاً بالله سبحانه ثم بالشخصية القيادية الفذة للملك فهد رحمه الله في التعامل مع الأحداث، وكانت رغم أحداثها الخطيرة إلا إنها كانت من أحلى أيامي في الجبيل، اكتسبنا شجاعة البقاء، وتثمين جهود قوات التحالف، وثقتنا في القيادة العسكرية، وفي الامن والأمان الذي أنعم الله علينا بهما ثم لجنودنا ورجالنا البواسل قوات الأمن السعودي.
واليوم تعود غيوم الحرب إلى المنطقة بعد عقود من التهديد والوعيد من الطرف الشرقي من الخليج، يظل هذا الخطر لا ينفك ولا نعلم متى سيعرف هؤلاء القوم أن المناوشات والحروب لا تؤدي إلى الاستقرار ولا إلى التعايش.
يجب ان تعلم ايران ان في غربها جيران من العرب، وفيهم من الذكاء المتوقد والدهاء الفطري وحكمة قادتهم وقوة شعوبهم أن يفشل مخططاتهم، وأن إظهار القوة المزعومة والتنطع بأساليب قديمة سيقابلها إجراءات قوية متكاتفة ستندم منها ايران على كل خطوة أو شبر تمضيه في إتجاه مياة وأراضي دول الخليج العربي.
الصورة أدناه ( دبابات عراقية تم الإستيلاء عليها أثناء حرب تحرير الكويت ، تقف في ساحة في مدينة الجبيل الصناعية مقابل شركة مصفاة آرامكو السعودية الجبيل ( ساسرف )

مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.