فتحت بابي في الصباح الباكر ..ومشيت في فناء منزلي .. أمد الخطى وأستنشق هواء نسيم عبر .. كعادتي أستظل بركن على كرسي وفير يريحني دوماً .. أستضئ بشمس البكور .. أنظر بجانبي على حوض دائري يعيش بداخله مجموعة من الزهور .. بينها زهرة صغيرة تتمايل وتتراقص كأنها بداية عمر طفلة .. معها مضيت في سفينة أفكاري .. أمخر عباب بحر الحياة التي عشتها .. أنتقي أجمل وأرق اللحظات في هذا البيت الذي أسكنه .. فيه تحققت أحلامي وفيه نسيت عيشة سابقة كانت في صدري .. اتذكر إبتساماتي التي كنت أرسمها على وجهي بعد ميلاد كل طفل وطفلة في هذا البيت .. وأنظر اليوم اليهم وهم كبار .. روحي التي وهبتها لهم وأتعبتها السنين وأنا أقدم ولائم الحب والتضحية .. أرتب مواعيد الدراسة والمستشفى والسفر وأقنص لهم كل طلب من أفواه الصعب و “الصعيب”.
نظرتي الشاردة إلى هذا البيت تحكي المكان الذي بنيته من رمال السعادة .. فيه أشجار حزني وفرحي .. أمسح هذا الجدار وتلك النافذة التي شاركت لحظاتي المتعبة .. أجوب فيه وأناجي أيامي الماضية .. سحبْ مضت كانت فيها أمطار السعادة وفيها خير الآماني .. ترجع أصوات البيت تملأ صدري، وتحاصر سمعي .. أخاف من هيام الذكرى ومن رحلة الفقد .. لكن تهدأ روحي عندما يقبض الحب فؤادي.
لقد حلمت كثيراً في هذا المكان، كل ناسه وأثاثه ونوره يسكن ذاكرتي .. كل زاوية له قصة وموقف محبب ..
كل من كان هنا ومن مازال زيّن بيتي بسقوفه وجدرانه ..أسمع رنين روحهم لي وبأني لم أكن تحفة أثرية.
بعضهم حلّق بعيداً وعاش هواء حريته .. أحس أن طيوري التي سهرت عليها قد تطير مني .. تطير فرحاً وفي فرحها دمي وروحي، فلا أسف ولكن كثير من الحزن.
أدركت مع هذه الزهرة أنني الأنسان المطوق بالحب وبالتعب في آن واحد .. اصبحوا يعرفون أكثر مما أعرف .. تمنيت أن يبقوا صغاراً فأتعب وأشقى .. أنه الشوق لهم.
عدت من فناء منزلي ووجدت الباب مغلقاً .. طرقت الباب وفتحت زهرتي .. حمدت الله وفي نفسي قلت : مازال في البيت الزهرة التي فتحت لي أبواب السعادة.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.