أكتب عادةً بضع سطور تولد من رحم الصفاء .. لحظات تهمس فيها روحي لقلمي، فتتشابك الحروف كشبكة صياد، تورثني غلّة من الكلمات ..
أحاول أن أختصرها لأرضى عنها، أو لأرضيها هي، كأن بيني وبينها عهدًا قديمًا .. أبني من ركام الحروف جملةً مفيدة .. ألتقطها من بين المواقف التي عشتها مع أناس افترقت بنا الدروب.
أحيانًا تُعجبني الصياغة فتداعب ذائقتي، وأحيانًا تغضبني فأمزّق الورق .. ويقف القلم حائرًا: عمَّ يكتب؟ ولمن؟
قادني القدر إلى رفقاء زماني .. فجاءت عناوين الرحلة متباينة: حبٌّ وسيلُ عتبى، فراقٌ يطارده حنين، وغضبٌ يواجه النسيان ..
أرشيفٌ من آهات ونجوى استعصى عليّ ترتيب ملاحقه وفهرسته .. رسائل قصيرة تومئ برمزية العتب وتحمل سلامًا خجولًا .. وأخرى طويلة تحكي أحلامًا وأسفارًا تعجّ بالمفاجآت .. وبعضها صامت بلا ابتسامات .. أقف أمامها عاجزًا عن قياس دفئها أو مرارتها ..
في سكون الصباح .. أستسلم لفتنة التنقيب في صندوق الرسائل القديمة .. ملفات احتضنتها السنين، صفحاتها نقشها الزمن، وحبرها المتموّج أوشك أن يخفي ملامح الحروف .. أكتوي بوجع الذكرى وأنا أبحث عن مناسبتها، وقد أنسى مقصدها .. لكن التاريخ المنقوش عليها يظلّ أقوى من أيامي ..
ومع مرور الأيام، يتعمّق تعلقي بهذا الأرشيف .. أجد بين ثناياه راحتي، وأراه حصني النفسي وملاذ قلبي ..
دُمتم، ودامت رسائلكم… بين المحبة والعتب.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.