مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / الديار البعيدة

الديار البعيدة

كان سالم الذي عاش في مدينة يحلم بالذهاب الى تلك البلاد البعيدة، قالوا له فيها جبال وخضرة ووجوه حسان، وفيها “لبن العصافير” الذي يزيد  نظارة بشرته، أراد أن يبدد وهم ينتابه .. وهم متصل بأصوله، وولع متوارث يتخطى به برزخ المدينة، ويزيل قناعاً ظللته سحب المشاعر،  وأن يطوع نفسه على التكييف مع بيئة الجبل وجمال الوادي .. 

تغلغل الولع لديه في أسئلة كثيرة عن الهدؤ والسكينة ومد النظر المطلق، والعيش في وحدانية فريدة بجذور قديمة .. هناك أيام الربيع والشتاء أكثر من أيام الصيف ..

منذ وصوله ذلك الوادي الأخضر أحس كأنه يعيش قصة أفاتار السينمائية .. أفصح بصره بجميع طبقات الجو .. يطير على ظهر نسر فينيقي كبير الحجم .. جابه مغامرة البساطة في العيش .. تضاريس مختلفة عن ما إعتاد عليه حيث الشجر والصمت حليفان بين عروق السيول .. تتشابك الأغصان على مساحة نظره ، تحف جوانبها فيء البيوت.. تتدفق وسماً على كل شجرة تتشابك مع جارتها .. تكسر ضوء الشمس بين فروعها وترتهن لكل نسمة ندى .. بين صخورها تربة غارقة في مياة راكدة تبحث عن زهرة لتعانقها .. وبينها عابر سبيل يداعب سطوعها الذهبي ويرسم تقاسيمها بوطء رجليه، تصبح بعدها معبراً لكل سالك طريق.

تجلت له الديار البعيدة وطبيعتها المتعينة لظهور الجمال ومتعة النظر، ولكن ماذا عن الناس هناك .. في ألفاظهم وفي إدراكهم لمعنى الغريب .. 

أحس سالم أنه مفصولا عن تلك الجذور في القول وفي التصرف .. في جوهر الناس رهان عن ما في الأذهان بين التحسين والتقبيح .. في بياض الأشياء ورماديتها الغريبة، وإسنادها لكسر الرغبة في اللين ووضوح التوتر في اليد يصاحبه تقعير اللفظ ..

 يحاكي قصص الأساطير حيث تغيب الحقيقة .. حكايات لا تجد فيها إكتمال الإقتران نحو التصديق بأن “لبن العصافير” شئ خرافي وأنه يرجعك شباباً نظراً براقاً.

استخلص من التعامل معهم صلابة الرأي، وقناعة صنعت له فجوة عدم العيش معهم أكثر من أيام معدودة فقط، لم يعلن خضوعه لتلك المخلوقات ولم يستسلم لوضع له هم يرغبونه .. في أيام فارقة قرر محو طلبه في “لبن العصافير”.. 

إنتقل من مرحلة الاستكانة الى الخروج من هذا الثبات الجامد .. كان جزءاً من إمتحان الكيف الذي هو خارج إرادته وفهمه .. بدت خيالاته معاكسة للواقع وكثير من التعرجات بين مصدقها وبين منكرها.. 

إنتهت الرحلة وعاد الى دروب المدينة الواسعة مسروراً ومتعجباً من اختلافها في شكلها عن الديار البعيدة .. أطل البياض في حياته من فراغ الخيال وشهوة الاستكشاف، ليدرك أن الديار البعيدة وهم لا يستطيع التعايش معه فعاد الى المدينة سالماً معافى ولا جرم بعد أن عرف الحقيقة.      

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الرفيق قبل الطريق

كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”. وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو …