أعيش في أعماقي مواجهة صامتة مع ذكريات المكان والزمان… أعيش تفاصيلها وأحيي تفاسيرها… أحاول استبدالها بشحن شجون فيها رائحة عطور ذلك الزمان… كان لي أقرباء ثم صار لي أصدقاء، لكل منهم له عطر خاص وهيئة مختلفة… ما زلت احتفظ بميدالية مفتاح أهداها لي قريب بعد عودته من مصر مكتوب عليها (الحب لحن جميل).
كان المشي عادة لم أجبر عليها بل هواية وكانت وسيلة التنقل أيضا… لم اشفى بعد من عطب المسالك وأحجار الطريق وسواقي الأمطار في شوارع الحي… كانت الأيام كلها أسرقها من فم اللحظات المحرجة… أخاف من الليل ومن يقف خلف الأبواب… من النوافذ ومن آخر الطريق الضيق…
صور هاربة من لهيب الصيف ومن برد الشتاء أصنع منها ساعة توقيت، ربما يوم خدعتني بضحكة أو بلحظة أسى…
في هذا الحي لم يكن الزمن مهما، فهو ليس موجودا على خريطة مادة الجغرافيا… كان الحي يوحي لي بأنني في المدينة الفاضلة…
تأخذني أنفاسي إلى حالة الثبات بانتظام عندما كنت أقترب من بيتنا… أشعر مع هذه الصور بطمأنينة تهدي من قلبي الخائف… أصعد إلى السطح المكشوف وعليه في الصيف يحلو المنام… لا تحس بذعر، حتى تصحو منتصف الليل لترى قط الجيران الأسود يمشي على الجدار في كبرياء وسكون… صور معتمة يسحقها ضوء الشمس في أول بكوره مع صوت السيارات المتلازمة مع صوت العصافير…
فجاءة تلمس كتفي يد وتسأل: كيف أتيت إلى هذا المكان؟… وأرد بشيء من التردد: أنا من هذا الحي… وهذا كان بيتنا القديم… وهذا كان شارعنا… ألتفت وإذا هو شخص غريب يقول لي: هذا الحي لم يعد لكم عد من حيث أتيت! …
الغرباء احتلوا الحي… ولكن لم يسرقوا الذكريات… الحمد لله أنني حافظت على الميدالية!!
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.