بحكم عمري السبعيني، ومن واقع تجربتي الطويلة في الحياة، أنظر إلى شباب هذا الزمان بعينٍ يملؤها الإعجاب والافتخار من جهة، والحسرة والأسى من جهة أخرى.
أفتخر بما بلغوه من نبوغ، وبما أبدوه من حماس وتفاعل مع التطور الكبير الذي تعيشه بلادنا في مختلف المجالات، فهم جيل طموح يصارع زمانًا قاسيًا في سبيل تحقيق آماله، ولا شك أن فيهم من الإبداع والطاقة ما يبهر العقول.
لكن — ويا للأسف — يفتقد كثيرٌ منهم إلى ذلك الجسر الإنساني الممتد بين جيلهم وجيلنا.
لقد ضعُفت معرفة الأبناء بمقدار الصلة التي تربطهم بمن سبقهم، وغاب عن أذهانهم أن استقامة المجتمع ودوام المحبة إنما تُبنى على صون المودة، ومراعاة الأرحام، وحفظ مكانة الكبار.
أشعر — بألمٍ عميق — أن هذا التواصل الذي كان يومًا دافئًا أصبح اليوم شبه منقطع، وربما مقطوعًا تمامًا.
بات كثيرون منهم يتجاهلون أولويات العلاقات الإنسانية، ويقدّمون الانشغال والتلهّي على الوفاء والتواصل.
لقد حلّت الوحدة محل الألفة، وغاب صوت السؤال والاهتمام، وصار النسيان — سواء في نطاق القرابة أو الصداقة أو العائلة — سببًا لترهّل الروابط وضعف صلة الرحم، كأنّ الودّ القديم تلاشى في زحمة الحياة الحديثة.
وأعجب أنني — في هذا العمر المتقدم — أجد من الغرباء من يراعون مقامي ويشعرون بقدري، أكثر مما أجد من بعض الأقربين الذين يعرفونني حق المعرفة!
ورغم ذلك، أبادر دائمًا بالاتصال والسؤال، مدفوعًا بما تربّيت عليه من الوفاء وحسن الصلة، غير أن الردود تأتي باردة أو غائبة، حتى يضطر الإنسان إلى الانسحاب بصمتٍ ووجع.
وقد أكون مخطئًا حين أقابل الجفاء بالتجاهل، لكنني في نهاية المطاف لا أستطيع احترام من لم يحترم شيبة السنين، ولا أن أُكرم من لم يُقدّر التجارب التي صاغها العمر.
فلك الله يا زمن…
كم غيّرت، وكم غربت الوجوه، وكم أبعدت بين القلوب التي كانت بالأمس متقاربة، متواصلة، ومفعمة بالمودّة والاحترام.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.