مواضيع منوعة
الرئيسية / علمتني الحياة / ذلك الصباح مع أمي

ذلك الصباح مع أمي

عام ١٩٧٦م، على سرير حديدي فوق سطح بيت والدي – رحمه الله – كنت أتقلّب تحت ضوء بدرٍ يغمر المدينة بسكونٍ شفيف. الليل بارد، والوقت يزحف ببطء، وأنا مشدودٌ إلى صباحٍ يَعِدُني بالتحوّل. فاليوم تنتظرني النتيجة النهائية للثانوية العامة، ووراءها مستقبلٌ تتشعّب طرقه؛ إما أن تفتح أبواب جامعة البترول والمعادن في الظهران، أو تبقي الأحلام مؤجّلة.

كان اليقين بالنجاح يرافقني، لكن الطموح لا يرضى بالقليل. في داخلي رغبة جامحة لمغادرة الرياض التي شكّلت كل مراحلي، ورغبة أخرى للبقاء قرب من عرفتُهم واعتدتُهم. وبين شدٍّ وجذب، غفوتُ قليلاً ثم صحوتُ قبيل الفجر، أحمل قلبي بين كفيّ.

نهضت ببطء، توضأت واستعددت للصلاة. كانت ملابسي معلّقة على مسمار في جدار السطح، أعددتها منذ الليل. نزلت الدرج بهدوء حتى لا أوقظ أحداً، وعند الباب، وقبل أن ألمس المزلاج، اخترق سكون الفجر صوتٌ خافتٌ دافئ، يشبه الندى حين يلامس القلب:

“ربي يفرح قلبك ويوفقك”.

التفتُّ، فإذا بها أمي – رحمها الله – ملتفة بشيلتها السوداء، تعصب رأسها عصبتها الصفراء الجنوبية، تستند إلى جدار الحوش الطيني الضيق. كانت ساهرة مثلي، تحلم مثلي، تنتظر مثلي. عرفت أن ابنها لن ينام عن صلاة الفجر، ولن يغفل عن موعد مصيري كهذا.

في تلك اللحظة سالت دموعي قبل أن أنطق. تقدمت إليها، قبّلت جبينها وكفيها، وأحسست بدعائها ينفذ إلى روحي، يضيء داخلي كأنه وعدٌ من السماء. تمتمتُ بشفتي المرتجفتين: حبيبتي أمي.

ومنذ ذلك اليوم، لم تغب تلك اللحظة عن وجداني. كانت نقطة تحوّل في حياتي، لا بسبب النتيجة وحدها، بل لأنني أيقنت أن دعوة أمّ صادقة قادرة على أن تعبد الطريق وتفتح الأبواب. وما زالت كلماتها ترن في أذني كلما واجهتُ منعطفاً أو انتظرتُ خبراً.

رحمك الله يا أمي… لقد صدق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:

الزم قدميها، فإن الجنة تحت رجليها.

عن عثمان بن أحمد الشمراني

كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “مدونة عثمان بن أحمد الشمراني“، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.

شاهد أيضاً

الرفيق قبل الطريق

كما كان آباؤنا يوصوننا دائمًا: “الرفيق قبل الطريق”. وعليه… فإن مسارات الحياة، مهما اتسعت أو …