أحيانًا تأتيك الأخبار كالصواعق، مباغتةً في وقعها، غريبةً في منطقها، فلا تجد لها تفسيرًا سوى أنها وليدة زمنٍ اختلّت فيه الموازين. الحياة كل يوم تحمل إلينا جديدًا، لكن الجديد لم يعد بَشرى ولا صفاء، بل صارت الأخبار محمّلة بتقلبات القلوب، وتلوّن الأخلاق، حتى كأن الصدق فقد معناه، والكذب اتشح بثياب الصدق وأخذ يتزيّن بمبررات لا تنتهي.
صرنا نرى المعاملات بين البشر وقد تلوثت برياح الظن والريبة، تسبقها الأنانية وتلحقها المصلحة المؤقتة، حتى غدا القطار الذي يفترض أن يسير نحو اليقين، ينحرف بنا إلى محطات الشكوك والخذلان.
أما النضج، فقد غدا قناعًا يرتديه الصغار قبل الكبار؛ نضجًا متكلفًا، سطحيًا، تزينه المظاهر، وتدعمه المحاكاة العمياء. نضج مخلوط بغرور المال، وتيه العيش، حتى أضحى الصغير متعاليًا بما لا يملك، والكبير مراهقًا بما لا يليق. ومن جاوز عمره وانحنى ظهره، لم يحصد إلا متاهات الحياة اللامعة التي خدعته ببريقها، فأضاع سنيه في سرابها.
وأمّا الحكمة، فبدل أن تكون ملاذًا صارت نقمة؛ لا يسمعها الناس إلا ليستصعبوها، ولا يواجهونها إلا ليستثقلوها. والصبر الذي كان سلاح المؤمن صار محنةً ثقيلة على الأرواح، والهروب إلى الزوايا المظلمة لم يعد عارًا، بل صار طبعًا يتباهى به البعض، وفخرًا يلمع على صدورهم كوسامٍ زائف.
هكذا هي أيامنا؛ غربة داخل الأوطان، ووحدة بين الجموع، ووجوه كثيرة تخفي خلف ابتسامتها أسى لا يراه إلا من امتحنته الحياة بمثلها.
مدونة عثمان بن أحمد الشمراني كاتب ومدون سعودي يدير مدونة شخصية بعنوان “ مدونة عثمان بن أحمد الشمراني “، يشارك تأملاته ومقالاته في مجالات الحياة،الثقافة والذكريات مع عامة الناس.